حقوق.. تسلبها واجبات

 

 

 

مكان مشترك واحد يضم مليارات البشر هو الأرض.. وأديان هبطت من السماء لتضبط علاقة الإنسان بأخيه الإنسان بعد الجريمة الأولى في فجر البشرية عندما قتل قابيل هابيل.. ولوائح وقوانين ناظمة وضعها الناس ليقننوا علاقاتهم بين بعضهم بعضاً.. وأعراف، وتقاليد لها عين راصدة تصحح وتقوّم، ولا يَنسَلُّ من نسيجها خيط واحد إلا ليُغزل من جديد في ثوب المجتمعات الإنسانية.
هكذا تبدو الصورة من بعيد.. لكننا إذا ما اقتربنا وجدنا عنوانين اثنين يختصران المشهد الذي يقع بين كلمتين أولاهما هي (الحقوق)، والثانية هي (الواجبات).. أم انه العكس؟.. لتأتي الواجبات أولاً، ومن بعدها الحقوق؟.. لا بد أن الواقع هو الذي سيحدد أيهما يسبق الآخر.
ومع اختلاف ثقافات الشعوب اختلفت مواقف أفرادها تبعاً لها بين مَنْ يطالب أولاً بحقوقه، ومَنْ يؤدي أولاً واجباته.. وفي حقيقة الأمر إنهما وجهان لعملة واحدة، فكل حق مكتسب يقابله واجب مفترض.. والفرد إذ يعي هذا جيداً فإن الممارسة العملية هي التي تقرر ما إذا كان سيطالب بحقوقه وقد نسي واجباته، أم أنه على قدرٍ كافٍ من الإحساس بالمسؤولية ليدرك كيف تكون الواجبات.
في كل يوم تطالعنا منظمات، وهيئات، وجهات رسمية، وغير رسمية بلوائح للحقوق، وقد تنوعت أشكالها، وألوانها، وهي لم تبدأ بحقوق الإنسان، والحيوان ولم تنته عند البيئة، والتراث العالمي.. والقائمة تطول، وتطول.
وهذه العلاقة التبادلية التي تتجلى في الأخذ أي (الحقوق)، والعطاء بالمقابل أي (الواجبات) هي محسوبة بدقة بالغة، ومرصودة ككفتي ميزان لا بد أن تتوازنا حتى لا تختل معادلة الحياة.
فكم سمعنا منذ أن تشكل الوعي لدينا عن حقوق للمرأة يُنادى بها، والنداء مستمر، ولم يخفت.. فأي حقوق هذه التي يُطالب بها على مدى أجيال، وأجيال، ولا تزال المطالبة قائمة؟.. وها هي حقوق للرجل أيضاً بدأت تتشكل للمطالبة الفعلية والحقيقية بها، ولعلها ستحذو حذو حقوق المرأة ما لم نضع واجبات كل من الرجل والمرأة موضع الفحص، والدرس.. فلو أن أحد الطرفين أدى ما يتوجب عليه أداؤه تجاه شريكه لجاءته حقوقه طواعية دون حملات للمطالبة، ولا مسيرات للاستنكار، ولا أصوات تعلو، ولا أبواق إعلامية تصدح.
وها نحن إذن أمام نمطين من المجتمعات.. أحدهما يقوم على منطق (الفردانية) (ولا أعني في هذا السياق المعنى الفلسفي، أو السياسي للمفردة) وإنما بمعنى (الأنا) وما يجعل من كل فرد حالة قائمة بذاتها لها أن تحقق أهدافها بالدرجة الأولى، ثم تلتفت إلى المجتمع الذي خرجت منه.. والآخر تجاوز هذه المرحلة بحيث بات الفرد يُلزم نفسه بالقيام بواجباته تجاه مجتمعه، وأسرته، ووطنه بعد أن أخذت القوانين الضابطة مسارها من قبل في التطبيق، ولم تمنح حصانة لأحد في تجاوزها، أو مخالفتها.. وليصبح الالتزام بها ممارسة حياتية غير قابلة للنقاش، ويكون الفرد من خلالها قد وعى حقوقه، وعرف حدودها جيداً، وبذلك يفوز بالتقدير، وربما بمكافأة المجتمع، أو الدولة له وبما يشكل حافزاً كافياً لارتقائه في الأداء، الأمر الذي يعود بدوره لينعكس على إنتاجية المجتمع، والنمو الاقتصادي.
إن الإصرار على التعريف بالحقوق دوماً دون ربطها بما يتبعها من مسؤوليات لا يؤدي إلا لمزيد من الصراعات ضمن الدائرة نفسها.. فلو عرف الرجل مسؤوليته حقاً تجاه المرأة، وكان أميناً عليها لخفت الصوت المطالب بحقوقها، أو أنه تلاشى.. ولو عرفت المرأة التي تطالب بما هو لها أن المظهر البراق لنمط الحياة الغربية، والذي أصبح نموذجاً يحتذى، إنما يخفي وراءه مشاركة حقيقية بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، لكان من الأفضل لها أن تزيح الستار عما يخفي وراءه قبل أن يعلو صوتها بمطالبها.. ولنقس على هذا المنوال كثيراً من الأمثلة التي نصطدم بها كل يوم.. ولو عرف صاحب العمل ما عليه أن يقدمه لعماله لما كانت اللافتات التي تطالب بحقوق العمال رفعت عالياً، والأمر ذاته ينطبق على العامل الذي عليه أن يدرك جيداً واجبه تجاه عمله قبل أن يرفع صوته مطالباً بما هو من حقه.. ولاستطاع الجميع أن يسلكوا معاً طريقاً آمنةً للسلام بعيدة عن الخلافات، والمصادمات.
إنها طريق من اتجاهين مرسومة بدقة لا تحتمل خطأ تجاوز الخط الفاصل بينهما.
لينـا كيــلاني

 

التاريخ: الجمعة 20-9-2019
رقم العدد : 17079