«غوتنبرغ.. يُبعث حياً»

 

المكتبات الوطنية في كل بلدان العالم تتباهى بمخزونها من المخطوطات، والأوراق الصفراء مهما بلغ اهتراؤها، وكذلك الكتب القديمة، والحديثة أيضاً.. ولو لم يكن لهذه الكتب قيمة الكنوز الحقيقية لما كانوا احتفظوا بها، ولما كانت رُصدت لها الميزانيات للعناية بها، وصونها من أن يأكل الزمن أوراقها، ويحولها هباءً منثوراً، لتُحفظ بالتالي كأثر مادي ملموس في سجل البشرية وتاريخها المحفوظ، لأن الكتاب كان، وسيظل وسيلة من وسائل التواصل البشري.. وحالياً سواء أكان محفوظاً ورقياً، أم إلكترونياً لا يهم.. المهم أنه الكتاب.
وبعد أن انشغل الناس بالأجهزة الذكية، ونسوا كيف هو ملمس الورق يعود (يوهان غوتنبرغ) مخترع آلة الطباعة ليسعفنا بالكتاب الورقي من جديد بعد أن كاد ينسى.. ولكن هل سنعترف بأننا أصبحنا لا نقرأ؟.. لا.. بل إننا نقرأ، ونقرأ.. ولكن ليس من خلال الكتاب بل على صفحات (الانترنت).. ومن هذه القراءات ما لا يخرج عند بعض الناس عن حدود اهتماماتهم الضيقة في متابعة أخبار، وموضوعات لا تسمن، ولا تغني من جوع، ولا تضيف إلى الحصيلة اللغوية، والمعرفية وإنما تغذي الفضول لمزيد من متابعة تلك الاهتمامات الزائفة التي لا فائدة منها.
والعلم بتطوره يدعونا لأن نطور من مهاراتنا، فقد اتسعت آفاق المعرفة بشكل غير مسبوق، وأصبحت بفضل موسوعة العالم التي تقع بين أيدينا، وأقصد ما يتوفر على شبكة المعلومات، أقول إنها أصبحت محيطاً بلا حدود يزخر بكل المعارف لمن يرغب، ولمن يبحث.. إلا أن تلك المعارف المبثوثة على صفحاتها لا تغني عن الكتاب الورقي المطبوع، بالرغم من أن بعض الكتب تتوفر عليها بشكلها الالكتروني، وذلك لسبب أكيد وهو: أن للكتاب المطبوع مصداقية قد لا تتحقق بشكل دقيق عبر الصفحات الالكترونية لأنها فضاء مفتوح لكل مَنْ يكتب، ولكل ما يُكتب، ويُنشر وفي كثير من الأحيان دون أن يكون هناك مَنْ يدقق، ومَنْ يصحح، ويقوّم، حتى أن الباحث، والدارس لا يستطيع أن يستقي معلوماته من خلالها لأنه لا يُعتد بها، وما السبيل إلى البحث، والدرس إلا من خلال الكتاب المطبوع.. لدرجة أن جامعات الغرب، ومدارسه تحظر على طلابها أن يستعينوا بالشبكة الذكية في وظائفهم.
وها هو (غوتنبرغ) صاحب أول آلة طباعة حديثة يصحو، وقد عرف بأزمتنا ليعود من جديد، ويذكرنا بالكتاب، بل وليقربه إلينا، لكنه الكتاب السريع.. إنه ذلك الآلي الذي يحمل اسم (غوتنيرغ وان 1)، والذي بإمكانه طباعة أي كتاب في دقائق معدودات، وغايته الأولى تقريب المعرفة إلى كل الناس، بل بإمكانه أيضاً تحويل كل ما هو مسموع، ومرئي إلى كتاب ورقي. ولن يكون صعباً على الندوات، والمؤتمرات أن تتحول أوراق مشاركاتها البحثية فوراً إلى كتاب ورقي مطبوع، وقد تكون الحروف كبيرة بما يكفي لتسعف ضعاف البصر إذا ما طلبوا ذلك.
وبفضل هذا الآلي الذكي أصبح بالإمكان الحصول على الخرائط العامة بين دفتي كتاب سواء في المطارات، أم في محطات القطارات.. إذ تكاد خدماته لا تنتهي في تحويل كل ما يلزم ليصبح على الورق بين دفتي كتاب.. وليبقى محفوظاً في شكله الورقي لا الأثيري على صفحات الشبكة المفترضة.
وهدفه الأول هو أن يكون في خدمة القارئ، والكتاب بآن معاً، وجعله متوفراً أينما كان، ولذلك فهو يرتبط بمنصة رقمية للكتب يقوم الناشرون من كل أنحاء العالم بتزويدها بكتبهم سواء الصادرة حديثاً، أم ما سبق منها لتكون من خلال (غوتنبرغ وان) متوفرة لدى مَنْ يرغب، إذ يكفي أن يختار القارئ، أو الباحث، والطالب من المنصة العنوان الذي يريد، ويتوجه بعد ذلك الى حيث يتواجد ذلك الآلي في أقرب موقع اليه سواء أكان مكتبة عامة، أم جامعة، أم مطاراً، أو حتى مقهى ليصبح كتابه مطبوعاً، وبين يديه في بضع دقائق تكاد لا تحسب.
والنشر عادة يصطدم بمشكلة التوزيع، والتسويق ما لم يجد حلولاً حقيقية لها.. لكن هذا الحل الذكي يجعل المشكلة تذوب من تلقاء ذاتها لينتعش الكتاب، وينتشر في كل الدنيا، ولا يبقى متوفراً في مكان دون آخر.
ولعلنا بعد كل هذه التسهيلات، والامتيازات الحضارية سنعيد الصلة مع الكتاب، ونتصالح معه حتى لا يعود مهجوراً على رفوف النسيان.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 27-9-2019
الرقم: 17085