«الاختراق الذكي»

 بعد أن أصبحنا نشارك الآخرين باهتماماتنا، ونستطيع أن نوصل إليهم أخبارنا، وأصواتنا، ونتشارك معهم في تجاربنا الحياتية، وحتى في نبضنا العاطفي، ومواقفنا السياسية، وفيما نحب ولا نحب، من خلال مواقع التواصل ما عادت هناك من حدود فاصلة بين الخاص والعام.
وأذكر أنني عندما انتسبت إلى إحدى الجامعات الأميركية كنت قد دونت في طلب الانتساب كل المعلومات المطلوبة.. واستغربت حينذاك الأسئلة الدقيقة التي كان عليّ أن أجيب عنها بصدق، ودون احتمال لأي مغالطة، وإلا كان الرفض من نصيبي. وبعد أن نجحت في اختبار القبول ظل هاجس السؤال يشغلني.. وعندما سألت مدير الجامعة لماذا تضعون كل هذه الشروط الصعبة للقبول، فاجأني بجوابه: يجب أن نعرف عن طلابنا كل شيء.
إذاً فهي الممارسة ذاتها، ولم تتغير منذ عقود.. وهذا ما تقوم به شبكة المعلومات التي تجمع معلوماتها عنا في حين لا يخطر ببال أحدنا أن تاريخنا الممهور بسلوكنا قد صُنف عندها في ملفات خاصة ربما تستخدم لمصلحة أبنائنا من بعدنا، أو ضدهم!!.. ومادامت بياناتنا لدى الراصد الخفي ليستخدمها متى شاء، وكيفما شاء.. فهل أصبحنا جميعاً أبناء بالتبني لتلك الجهات الخفية بعد أن باتت تعرف عنا كل شيء؟.. أو أنها ستتحكم بمصائر أبنائنا في المستقبل إذا ما أرادوا أن ينتسبوا إلى أي جامعة غربية، أو شركة للعمل لتستقطبهم كما تريد، وبما يخدم مصالحها، وأغراضها من أبناء العالم الثالث؟ أو أنها ستجندهم، أو تستغلهم لمصلحتها بعد أن تطورت أساليبها؟!
تلك المؤسسات الحاضنة لشركات التكنولوجيا، وهي مازالت تعتد بقوتها حتى بعد أن انتشرت فضائحها في استغلال المعلومات الشخصية للأفراد تقول إن لها طرقها المبتكرة، والحديثة، والتي ترتكز على البيانات الأبرز في العالم، وبما يتيح لها أساليب علمية محترفة للتعرف على الجمهور الذي تريد للوصول إليه، وبأيٍ من السبل. فهي من خلال المعلومات التي تحصل عليها من المواقع الإلكترونية تستطيع أن تقوم مستعينة ببرامج الذكاء الصناعي بعملية تحليل للشخصية تكون سبيلها للفئة المستهدفة؟..أما موقع التواصل الاجتماعي الأشهر فيكاد يقدم حلولاً جاهزة من خلال كم المعلومات لديه، وهو لا يوفر قائمة أصدقاء المرء ليسحب منها بيانات عنه كمن يتسلل إلى بيتك من الباب الخلفي في غفلة منك.
بل إن العلماء يعتمدون خوارزميات محددة مصممة خصيصاً لتحليل البيانات بشكل علمي عبر الذكاء الصناعي.. والهدف كما يدّعون:(إذا أردت تغيير المجتمع بشكل جذري عليك أولاً أن تفككه، ثم تعيد ترتيب أجزائه المفككة حسب رؤيتك، ولو اضطررت لأن تخوض حرب ثقافات).. ولا يهم إن كان وادي السليكون قد أُنشأ ليجمع الناس، أو ليفرقهم.
أمر مرعب هذا.. مادامت هناك ملفات نفسية لكل الأفراد.. وهم يعترفون ولا يهابون بأنهم يتلاعبون بنفسيات الأمم، والناس لا يدرون ماذا يُفعل بهم.. ويدركون تماماً أنها أساليب لا أخلاقية.. إلا أن بيانات الدول، والتي أصبحت أهم من ثرواتها المادية، قد غدت في قبضة شركات المعلومات الكبرى لتتسلل من خلالها إلى نقاط ضعف الأفراد، والدول على حد سواء.
أما نشر الأخبار الكاذبة، والمضللة التي تحقق في النهاية مقصداً ما فقد أصبح أمراً بسيطاً، واعتيادياً بعد أن صارت شركات التكنولوجيا الكبرى هي الأقوى في العالم، وهي التي تملك النفوذ الحقيقي لتغيير وجهه عندما تغيّر أمزجة الشعوب، وربما مصائرها سواء في العالم الأول، أو الثاني، أو الثالث، أو العاشر لا فرق.
ومن بين الفئات المستهدفة أناس يلقبونهم بأنهم: (القابلون للإقناع)، وهم غالباً من فئة الشباب، والسبيل إليهم تبعاً لبياناتهم المرصودة هو ما يظهر على شاشات حواسيبهم، أو هواتفهم الذكية من رسائل موجهة على شكل أفلام دعائية، وصور مؤثرة تفعل فعلها عن طريق الاستغلال العاطفي ليكون الإيحاء لا الإجبار في تحول القناعة، وبالتالي السلوك حيال أمر ما وربما كان التحول من الضد إلى الضد.. لتصبح تلك الفئة في حالة من اللامبالاة تجاه الأحداث الكبيرة.
فإذا ما عاد المرء إلى سجله الشخصي الذي يرصد تحركاته عبر شبكة المعلومات فسيجد كل صغيرة، وكبيرة مدونة بدقة بتاريخها، وكأنه يوم الحساب عندما لا تمر صغيرة، ولا كبيرة دون العقاب، أو الثواب.. ومع هذا فهل بالإمكان الآن اقتلاع الناس من على منصات التواصل بعد أن استغرقوا بها، ولو قلنا لهم: (إن بياناتكم تؤثر على حياتكم)؟!
تلك المنصات الإلكترونية الصامتة لا تكشف عن شرورها المخبأة إذ تخترق.. ليصبح حق استرداد البيانات الشخصية المسروقة من الدول، والأفراد حقتً من حقوق الإنسان لا يسترد لأنه برسم النسيان.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 18-10-2019
الرقم: 17101