«عندما يفرض الجمال نفسه»

 

 

لقد استغرق الفلاسفة في علم الجمال حتى اعتبر فرعاً من فروع الفلسفة، وكان لقدماء اليونان أن يضعوا مقاييس للجمال المادي بتحديد مواصفات للجسد، وأبعاد لملامح الوجه تسمى بالنسب الذهبية، وما كانت (فينوس) ربة الخصب والجمال عند اليونان، و(آفروديت) عند الإغريق إلا تجسيداً لهذا المفهوم.
لكن الجمال يبقى نسبياً عموماً، كما أن له سره الخاص الذي لا يُعرف كيف يضيء، والنظرة إليه كما الذائقة تختلف بين الأفراد، وبين الجنسين على حد سواء، وما كان في يوم معرَّفاً بملامح دون سواها فلكل شعب من الشعوب، أو عرق من الأعراق البشرية معاييره الخاصة به، كما ذائقته الجمالية التي يُتفق عليها.. أما النظرة إليه فهي تتغير حسب العصور بدءاً من (أرسطو) وصولاً إلى العصر الحديث، بدليل المسابقات التي تقام كل عام على مستوى البلدان كما على مستوى العالم وقد أصبحت تفرض مقاييسها الخاصة للاعتراف بالجمال وما إذا كان يستحق أن يتوج أم لا.
لفترة طويلة ظل الجمال الأوروبي يفرض نفسه على العالم لكن التداخل الثقافي بين الشعوب قد حول الأنظار باتجاه آخر، وبعد فوز المتسابقات الهنديات، والإفريقيات، والأخريات من مناطق شرق آسيا، وكذلك المتوسط، فُتح باب تلك المسابقات واسعاً ليشمل كل النماذج من جميع أنحاء الأرض، ولتتغير المقاييس الجمالية التي تفرضها المشاركات ما جعل المحكمين بالتالي ينظرون إليه بعيون جديدة وهي نسبة هذا الجمال إلى بلده، وإلى المقياس العام.. ولما فازت المتسابقات من غير الأوروبيات، أو الأميركيات من غير الشقراوات، أو صاحبات العيون الملونة، أصبح لهذا الأمر تأثيره على الذوق العالمي، وفُتحت الصناديق المغلقة في بلدان كثيرة لتخرج منها حوريات، وحسناوات ساحرات كن مخبآت كالكنوز عبر العصور لم يعرف عنهن، ولا عن بلادهن أحد.. فالجمال الصيني على سبيل المثال بمقاييسه وبالمقياس العام هو فريد، وأصيل، وله سماته المتميزة، وكذلك هو الحال في جزر الكاريبي، أو في إفريقيا السمراء.
ولتدخل إلى المسابقات أيضاً المعايير الأخرى التي لا تكتفي بالمظهر فقط ما لم يترافق ذلك بالذكاء، والفطنة، ودرجة الثقافة، والتعليم ليعزز كل جانب منها الآخر، وليصبح كلاً متكاملاً.. فطريقة الكلام، وحسن التعامل مع الآخر، واللباقة، والمستوى المعرفي الثقافي كل ذلك يؤخذ في الحسبان، ويرجح من فرص الفوز.. ولم تعد مقولة (كوني جميلة واصمتي) شائعة، والذكاء شرط من شروط الجمال مؤكداً ما قاله الكاتب الأيرلندي الساخر (برناردشو) من أنه: (لا توجد نساء قبيحات، ولكن توجد نساء لا يعرفن كيف يتجملن).
ومهما تعددت الأذواق، وتنوعت المشاعر فالاتفاق على الصفات العامة للجمال أمر أصبح وارداً في عصر تخضع فيه الشعوب لشروط حياتية متشابهة.. فالفتاة الصينية مثلاً لم تعد كما في القديم هي السمينة المترهلة ذات القدمين المحبوستين في الحديد، بل هي الآن بالنظرة المعاصرة تلك الرشيقة، والرياضية والتي تتوافق مع العصر بإيقاعاته العامة، والعالمية.
وها هو الرجل أيضاً يدخل إلى تلك المسابقات التي لم تعد حكراً على الجنس اللطيف ليضع نفسه هو الآخر في المقياس، والميزان، وليحمل التاج، واللقب.. فما الذي ينقصه ما دامت فكرة الجمال المادي تأخذنا إليها، والوسامة تفرض سحرها، وهو لم يعد بعيداً عن (الموضة) في قصات الشعر، والملبس، وكل ما يلزم ليبدو في مظهر عصري أنيق وجذاب. وكيف لا وقد أضيف إلى تلك المنافسات الاستعداد للانخراط في العمل الإنساني، والأنشطة الاجتماعية ليصبح القيام بتلك المهام شرطاً من شروط الفوز، والرجل يجد في نفسه القدرة على القيام بكل الأعباء؟
يقولون إن الجمال لا يختلف عليه اثنان.. لكننا في الواقع نختلف، ولكلٍ منا نظرته الخاصة، وذائقته في التصنيف، والتقييم.. ومنه ما يفرض نفسه، ويخطف إليه، ولو كان بعيداً عن المقاييس المحددة والمتعارف عليها لأن له خصوصية، وسراً لا يخضع للقياس، ولا للمعايير التي توّصفه.

لينـا كيــلاني

التاريخ: الجمعة 25- 10-2019
رقم العدد : 17107