«أروقة جديدة للفن»

 الفن باقٍ.. وهو يضيء كما الشمس في إشراقها.. يغيب الفنان وتبقى ألوانه، وخطوط لوحاته.. والمتاحف تقوم بدورها في اقتناء تلك الآثار الفنية، والحفاظ عليها، وصيانتها حتى لا يأكلها غبار الزمن، ولتظل شاهدة على إبداع أصحابها.
والفن بأنواعه على اختلافها من رسم، وموسيقا، ورقص، وتمثيل، وأدب ليس معزولاً عن الحياة، بل إنه نبض منها يعبر عنها ولو جاء في كلمة، أو حركة، أو لحن، أو في إطار لوحة تعكس رؤية مَنْ قام برسمها ليوصل المعنى من خلالها مهما كان هذا المعنى ضيقاً، أو أنه يقع في بؤرة محددة.
وما دام الفن هو انعكاس للوحة الحياة فإن التطور لا يأخذ مساراً له بعيداً عنه بل إنه الأكثر تأثراً بمنحنيات التطور البشري في كل فصوله، وفي كل انحناءات خطوطه صعوداً، وهبوطاً.
وها هي الأفكار الجديدة التي تأتي بها الإمكانات التي أصبحت متاحة من خلال التكنولوجيا الحديثة تكاد تخلق مسارات جديدة للفن تجعله أكثر اقتراباً من جمهوره، ومن عموم الناس على اختلاف أمزجتهم، وأهوائهم.. فالمتاحف الرقمية التي بدأت تأخذ لها حيزاً داخل المتاحف الشهيرة ذاتها، والتي يمكن إقامتها في الضواحي، والأرياف لن تقل أهمية عن المتاحف الأصلية في المدن الكبيرة، والعواصم.. وما من مبرر لحرمان أهل الأماكن البعيدة من روعة الفن، أو آثار الحضارة المحتفظ بها في قصر، أو متحف، لمجرد أن أنها تتواجد في موقع ليس بالقريب طالما أن تقنيات التصوير والعرض بالبعد الثالث متاحة، وقادرة على أن تنقل المشهد كما الأجواء لتأتي الى هؤلاء الناس قبل أن يذهبوا هم إليها.
وما المانع من أن يُخصِص واحد من أشهر متاحف العالم وهو متحف (اللوفر) الباريسي في العاصمة الفرنسية قاعة خاصة لعرض صور اللوحة الأشهر والتي تأتي في رأس قائمة اللوحات الأغلى ثمناً في العالم وهي (الموناليزا) وذلك بتقنية البعد الثالث، ولتبدو الابتسامة الغامضة التي رسمها (دافنشي) ببراعة حار النقاد في سرها، أقول ما المانع في أن يراها الزوار أكثر وضوحاً، واقتراباً في تفاصيلها منهم وكأنهم يحاورونها، وتحاورهم في استغناء عن صفوف الانتظار للفوز بلمحة سريعة قد لا تكفي لمتعة المشاهدة؟
لا شك أن هذه المتاحف الرقمية تحتاج إلى رصد الأموال، والخبرات التقنية اللازمة لها لكنها ستلعب دوراً مهماً في ترسيخ الثقافة، والتعريف بخصوصيتها لدى كل شعب من الشعوب.. وسواء انتشرت المتاحف الرقمية على شبكة المعلومات، أو في أماكن محددة لها، ومخصصة على أنها نسخة من المتحف الحقيقي فهي ابتكار معاصر لا يخلو من الإبداع، والفائدة خاصة إذا ما ترافق ذلك بمؤثرات صوتية، وضوئية، وما شابه.
وأكثر المتاحف شهرة في العالم لم تعد تكتفي بأفواج الزائرين لقاعاتها على كِبر أعداهم، وتزايدها بين عام وآخر بل إنها باتت تبحث عن مغريات، وابتكارات جديدة، وأفكار حديثة تزيد من أعداد زوارها، وتستقطبهم إليها من كل الدنيا.. ولِمْ لا مادامت الوسائل متاحة، والتقنية تدعم؟.. ومن التجارب الغربية الطريفة ما قام به ممثلون بتحويل موضوع لوحة فنية شهيرة لـ (فان غوغ) وترجمتها إلى مشهد تمثيلي فاجئوا به رواد أحد المراكز التجارية ليصار إلى إحياء التعريف من جديد بالفنان وبلوحته رغم شهرته، وشهرة لوحته، وذلك بغرض ترسيخ الصورة مع قصتها في الأذهان لدى الكبار والصغار ممن شهدوا ذلك.. وقد غدت لوحات الفنان جزءاً من التراث الوطني، والعالمي بآن معاً.
وما أحوج البلدان التي أصيبت بداء الحروب، وما تبع ذلك من تعدٍ على كنوز آثارها، وحضارتها جعلها تفقد جزءاً من تراثها بعد أن كان قائماً لمئات، أو لألوف السنين كمن يفقد عضواً من جسده لكنه يظل يتحسسه كما لو أنه لم ينفصل عنه.. ما أحوجها إلى مثل هذه التقنيات الرقمية لتسعفها في حفظ ذاكرتها الوطنية، وترسيخها في أذهان أبنائها، وحتى أن يتم الترميم، والاستدراك، والتصحيح.
وذاكرة الشعوب تحفظها فنونها.. والفن هو روح الحياة.. وحياة بلا فن هي جفاف.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 8-11-2019
الرقم: 17118