«دعوهم يختارون..»

 عندما كنا صغاراً، وكان أهلونا يرعوننا كنا نظن أننا لسنا أكثر من دمى كتلك التي نلهو بها، يحركوننا كما يشاؤون، وأنهم يملكون مصائرنا، ويتحكمون في رغباتنا والتي غالباً ما كانت تصطدم بقراراتهم، وتعليماتهم. تلك الوصاية التي تبدأ نبرتها بالخفوت مع تقدم أعمار الأبناء حتى إذا ما بلغوا مفترق الطرق في اختيار التخصص العلمي الذي يؤهل لمهنة المستقبل عادت نبرة الوصاية لتعلو من جديد رغبة من الآباء في اختيار ما يرونه الأفضل لأبنائهم.. بل إنها الثقافة المجتمعية بالنظرة العالية لمهن واختصاصات بعينها دون سواها، وعلى أنها السبيل للارتقاء اجتماعياً، في حين أن التميّز لا يقف عند حدود مهنة، أو اختصاص ما، والارتقاء الاجتماعي له سبله العديدة التي تسير في مسارها الصحيح.
إن مسيرة النجاح في الحياة العملية، كما في الحياة الخاصة كانت، وستبقى مرتبطة بالاقتناع بما يقوم به المرء، وممارسته له برغبة منه مهما واجه في سبيله من صعوبات، ومهما اعترضت سبيله من عقبات، ومنغصات.. إلا أن هذا لا يتحقق ما لم يعرف أحدنا ميوله، ورغباته، وأين تقع حدودها، ويحدد بالتالي اختياراته فيما يريد، ولا يريد. ولكن.. هل كل أحد يعرف ماذا يريد من اختيارات الحياة التي تنفرد أمامه على مساحة الحياة نفسها؟.. هذا سؤال يجب أن يطرحه كل فرد على نفسه قبل أن يقرر خطواته في درب مستقبله.
وإذا كان القول الشائع ينصح بأن تفعل ما تحب قبل أن تحب ما تفعل.. فما أظن أنه تجاوز أسباب النجاح الحقيقي في أي مجال والتي أولها، ومفتاحها هو تحقيق الذات، والثقة بالنفس، والإحساس بالحرية.. والأهل إذ يتدخلون في مصائر أبنائهم قد لا يعيرون اهتماماً لمثل هذه الأقوال لأنها قد تتعارض ورغباتهم العميقة في أن يصبح أبناؤهم كما يتمنون، ويشتهون لتموت أحلام الأبناء مقابل رغبات الآباء.. ولتنسف جسور التواصل بين الطرفين، ودون أن يدرك الأهل أن مفهوم (السلطة) يظل وهمياً.. يُفقد إذا ما استُعمل.
أما التمرد، والإصرار على الاختيارات، ولا سيما إذا كانت أقل من التوقعات، فذلك له حسابات أخرى من جهة الأهل ليصبح في الميزان وكأنه العصيان، والنكران لكل تضحية قُدمت، وجهود بُذلت، أو أنه التشكيك بمقدرتهم على استقراء ما هو الأصلح، والأنفع. وما بالنا بفكرة توريث المهن من الآباء إلى الأبناء على أنها الطريق الممهدة التي أزيلت منها كل العوائق، والعقبات ليكون السير فيها مضموناً، وصعوداً وليس هبوطاً.. وكل ذلك دون حساب للقدرات الذهنية، والجسدية التي تؤهل لعمل غير سواه، أو للانتكاسات النفسية التي يمكن الإصابة بها حال الإخفاق، والفشل.
(أولادكم ليسوا لكم.. إنهم أبناء الحياة) هكذا قال صاحب كتاب (النبي) جبران خليل جبران قبل عقود من الزمان، وقبل أن تنفتح المجتمعات على الأساليب التربوية الحديثة، وعلى الاختصاصات الجديدة في كل مجالات العلوم.. والأمر بالطبع لا يتعلق بالمسيرة المهنية للأبناء بل بكل مفردات حياة هؤلاء الأبناء، وحقهم في أن يقرروا مصائرهم في الحب، والزواج، والعمل، وكل الاختيارات، فهم ليسوا عبيداً، وليسوا ملكاً لغيرهم حتى ولو كان هذا الغير هم الآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات.. إلا أن بعض المجتمعات الضيقة ما زالت تتمسك بثقافة امتلاك الغير، وانتفاء هذا التملك قد يعني العقوق، ونكران الجميل.
فكم من إمكانات مهدورة، ونجاحات مقهورة، وإبداع وابتكار مكتومين، وأفكار جديدة صادرتها تلك النظرة الاجتماعية الضيقة التي تأخذ بظاهر الأمور دون أن تنظر إلى عمقها في تفردها، وهي تتوقع الإخفاقات دون النجاحات إذا ما خرجت الرغبات عن مسارها المرسوم، والمحدد لها. وكم من العادات والتقاليد كانت، أو ما زالت تشكل قيداً على حرية الأفراد فيما يختارون، وقد يكون القيد أكثر إحكاماً على الإناث منه على الذكور في المجتمع الواحد.. في وقت أصبح فيه العالم ينفتح على بعضه بعضاً، وأصبحت الاختيارات أكثر تنوعاً، وثراءً فيما يوافق الرغبات، والأهواء.
دعوهم يختارون حتى لا تؤخروا نهضة المجتمعات فالمرء صديق ما يحب، وعدو ما لا يحب.. ولنردد من جديد مع (جبران): (نفوسهم لا تقطن في مساكنكم.. إنها تقطن في مسكن الغد).

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 15-11-2019
الرقم: 17123