ثقافة القطيع

 العادات، والتقاليد، كما الأعراف في كل المجتمعات تفرض نفسها على أفرادها، بينما هم ينصاعون بشكل شبه لاإرادي لأن لها سلطة الجماعة التي تقف في وجه إرادة الفرد في الخروج عليها.. ليصبح الاختلاف أمراً غير مألوف، أو مقبول، أو أنه المرفوض. وحتى لو تبدلت الأزمان، ومعها بعض المفاهيم فمناقشتها من جديد تكون غير واردة ما دامت للموروثات سطوتها، وقوتها التي تفرضها على المجتمع.
وها هم الناس بعد أن استولت عليهم العولمة، والتقنية الحديثة أصبحوا يتعاملون بالمنطق ذاته الذي تعاملوا من خلاله مع موروثاتهم فإذا بهم يقلدون بعضهم بعضاً في السلوك، والمظهر، وما يعتنقونه من أفكار حتى تكاد لا تفرق هذا عن ذاك، وقد انضموا جميعاً في ثقافة قطيع واحد جعل منهم نسخاً متشابهة تتبع كل واحدة منها الآخرى دون نقاش، أو اعتراض، أو حتى إعادة نظر فيما هم فيه سائرون، أو في هذه الثقافة الواحدة التي انتظمتهم، فسحبتهم إليها ودون أن تترك لهم فسحة للغضب منها، أو التمرد عليها. فلو (غردّ) أحدهم ـ حسب التعبير الدارج ـ على موقع (التغريدات) مثلاً لتبعه الآخر، ومن ثم آخرون ذلك ببساطة لأنهم غدوا أفراداً في قطيع واحد لا يملك التالي منهم إلا أن يتبع الأول.. أو أنه التقليد لمن عميت بصيرته قبل بصره.. وقد وضعوا ما نالوه من تعليم، وثقافة جانباً، واطمأنوا إلى أنهم لن يخرجوا عن الجماعة.
أما العلاقة التبادلية في التأثر، والتأثير بين الفرد والمجموع فتكاد تنتفي لصالح تبعية الأكثرية.. وما على الفرد إلا أن يكون هذا التابع لا المناوئ، أو العاصي، وإلا أصبح ابناً ضالاً، أو نعجة شاردة. إلا أن بعض الناس يجدون أنفسهم من خلال هذه التبعية، وعندما يواجه أحدهم نفسه يجدها هلامية لم تتشكل بعد، فإذا به يعود ليختار الطريق الأسهل في أن يكون مسيّراً لا صاحب قرار.
وإذ أسأل نفسي: عما استحضر فكرة ثقافة القطيع هذه في ذهني؟.. فأرى أمامي الشاشة الذكية تلتمع بألف موقع، وموقع.. وأرى ملامح لوجوه تتشابه فيما بينها وهي تنقل، وتتناقل على صفحات زرقاء عباراتٍ، وصوراً قد تكون من الخواء.. لكن بعضهم أعارها اهتمامه فلماذا لا يفعل الباقون مثله؟.. تيار يسري كما الكهرباء على صفحات جميع الأصدقاء في مواقع هي للتواصل، لا للجفاء. والمهم أن الأخبار تنتشر، والصور تنتثر ودون تدقيق، أو تصحيح.. فما دامت هذه هي لغة التواصل الحديثة فلا داعي للتخلف عنها بل إنه السير في ركبها ولو كلف الأمر أن يقع المرء في التقليد دون الابتكار، والتجديد!!
إلا أن لهذه الثقافة جوانب إيجابية مع كل ذلك.. فقد يفيد منها المرء في أخذ العبرة من تجارب الآخرين ليوفر على نفسه إخفاقات محتملة، أو مغامرات فاشلة.. ولو أنه كان قد ورط نفسه فيما سبق في مواقف أرادها له قطيعه، وما كان عليه إلا أن يتجاوب معها، أو أن يهرول نحوها كما يحصل عموماً في التظاهرات، والاحتجاجات التي تستدعي إليها في موجة تجرف كل مَنْ تجده في دربها.
والنظريات الفلسفية سواء عند العالِم (هاملتون)، أم ما تعرض له الفيلسوف الألماني (نيتشه)، تؤكد انتفاء (الأنا) مقابل إرادة الجماعة، ليكون هذا سبباً مباشراً لسهولة التأثير على الفرد، والتحكم به من خارج وعيه، وقدراته الشخصية، إلا أن هذا يبقى بعيداً عن الفرد المبدع فلا يطوله. وأكثر ما يتجلى سلوك القطيع هو عند الشعور بالخطر إذ تنتفي عندئذ فكرة الاستقلالية، وهو سلوك متأصل في النفس الإنسانية في الدفاع عن وجودها لينتظم أغلب الناس في قطعان مختلفة بهدف الحماية من الأذى الخارجي.
أن تفعل ما يفعله الآخرون لمجرد أنهم يفعلونه فهذا يعني أنك تحولت فعلاً إلى القطيع، تسير في مساره، وتؤدي أدواره التي رُسمت لك منذ أن انضممت إليه ودون أن تفكر بالتمرد عليه.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 22-11-2019
الرقم: 17129