«تحولات.. تستدعيها ضرورات»

 في كتابه (الزنبقة السوداء) حَلُم الكاتب الفرنسي (الكسندر دوماس) بأن يرى (الزنبقة السوداء) في مستنبته، فإذا بنا نحصل على زنابق وورود من كل الألوان.. وفي أسطورة قديمة هي أسطورة (تحولات الجحش الذهبي) تخيل المفكر (لوكيوس أبوليوس) أن الجحش الذهبي يتكلم، فإذا بنا نصنع دمى لأطفالنا فيها أشرطة تتكلم. وإذا كان أي أب، أو أم يرى كل منهما لمحة من صورته في ابن، أو ابنة فإن الاستنساخ الحيوي، ولو لا يزال في مهد النظرية فإنه يقول إن بإمكانه أن يستنسخ لهما نسخاً مطابقة تماماً يرى فيها الواحد منهم صورته فيها، وهكذا..؟
وإذا كان الأدب هو الملهم للخيال عامة، فإن العلم له شروطه في تطبيق ما هو من نسج الخيال، شأنه شأن المهندس الذي لا يمكنه أن يتصور بناءً معيناً دون أن يكون عارفاً بالأسس الهندسية التي سيبني بناءه عليها.
لكن شجرة العلم الآن بتفرعاتها، وأغصانها، وأوراقها التي غدت غير محدودة بدءاً من دراسة الحشرة حتى صناعة سفينة الفضاء أصبحت تطالب الأدب عموماً بأن يواكب معطيات زمنه الحاضر، ليخرج من صندوق الموضوعات التي لا تزال منغلقة على ذاتها كتلك الاجتماعية، وهي لا تتوقف عن أن تدور في دوائر مبهمة لمفاهيم قديمة تبدلت مظاهرها، ولو ان القيم تظل ثابتة.
فكما كانت قصص السحر مادة غزيرة، وغنية جداً لشحن الخيال من ناحية إمكانية حصول الشيء، ولو عن طريق الجن، فها نحن الآن نستبدل فكرة الجني بالعلم.
والأدب العربي ظل زاخراً بما فيه من أفكار فلسفية، وإطلاق للخيال الشعبي وقصصه، والبطولات الخارقة، والسير الشعبية وقد نبعت كلها من مخيلة شعوب بأكملها.. إلا أن تلك المخيلة التي أبدعت ظلت حتى وقت قريب هي ذاتها، بينما بات الأدب يفتقر الى من يتفيأ ظلال شجرة العصر ليقطف منها ورقة، أو ثمرة.
فهل نستطيع بعد أن تجاوزت الكشوفات العلمية الحديثة آفاق توقعاتنا، وحتى خيالنا، وأحلامنا أن نعتبر أدب القرن الواحد والعشرين في منطقتنا العربية أنه مواكب لعصره بكل مقاييسه؟.. بل هل نستطيع القول إن مستقبلنا رهن بكل جديد يأتي به العلم، ويجود به الخيال يوماً بعد يوم وعلى الكتابات، والنصوص الأدبية المستقبلية أن تؤسس لما سيأتي من واقع جديد تحكمه مفردات عصره مادامت تلك المعاصِرة منها لم تنضج بما يكفي لاستيعاب عصرها، وزمانها؟
وإذا كان الخيال يُنمي قدرة التصور عند الفرد فإنه بالتالي يُنمي الإبداع هذا الذي يرتبط به التطور الإنساني، فكل فكرة جديدة هي إبداع، وكل إبداع جديد هو إضافة في مسيرة الإنسانية، والخيال هو الموجّه للعلم، وهو منبع الأفكار.
إن الخطوات الخجولة في عالمنا العربي نحو رؤية متطورة في مقاربة موضوعات جديدة في مختلف الأجناس الأدبية، أقول إن هذه الخطوات لم تعد مقبولة بحجة الخوف من تأثيرها السلبي في الأدب على الأجيال الجديدة وخاصة في حال عدم الارتقاء بها الى المستوى المطلوب.
لا.. بل إننا أصبحنا مطالبين بكتّاب يكتبون في موضوعات أكثر إلحاحاً، وأهمية من موضوعات الجسد، والموضوعات الاجتماعية التي تسقط في دائرة العادية، وعلاقة الرجل بالمرأة تلك العلاقة الأزلية التي ستظل مطروحة على الساحة لكن لا يجب عليها ان تشغل كل مساحتها، ولا أن تظل النظرة اليها على ما كانت عليه بعد أن دخلت المرأة الى كل الميادين العملية، والفكرية، وما عاد من تلك الميادين ما هو حُكر على الرجل.
لقد كان العرب في الجاهلية يتمتعون بالشجاعة، والإقدام، والفروسية، واقتحام الصحارى فلم يكن لديهم خوف حتى من وادي الجن (وادي عبقر)، حتى أنهم كانوا إذا ما لمع منهم واحد في الشعر قالوا عنه إنه عبقري. إن انتفاء الخوف ما جعلهم يقتحمون عوالم الأسطورة في محاولة لكشف الغموض، والأسرار، والوصول بها الى مبررات عقلانية يؤكدها العلم، ويقبلها المنطق. صحيح أن الأساطير التي وصلتنا هي قليلة ومحدودة، ومن خلال الشعر لأنه لم يكن لدى العرب تدوين، إلا أنها ظلت تعكس نمطاً من التفكير لا بد أن نأخذه على محمل الجد.
وبعد أن أُغلقت طريق (وادي عبقر)، وفتحت بوابة (وادي السليكون) فلا بأس من نظرة جديدة في عالم الأدب، وهي على أي حال تحولات قد تستدعيها الضرورات.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 6-12-2019
الرقم: 17140