«حتى لا يغيب الكتاب»

 للسنة الثانية على التوالي يتألق معرض كتاب الطفل الذي تقيمه وزارة الثقافة تحت شعار (بالقراءة ترتقي العقول)، وذلك ليس فقط احتفاءً بالكتاب بل هو احتفاء بالطفولة عموماً بعوالمها المختلفة من كلمة مقروءة الى أخرى مسموعة، الى ورشات للرسم والتلوين، كما العروض السينمائية، والموسيقية، ومختلف الفعاليات التي تبهج الأطفال، وتمتعهم، وتجعلهم أقرب الى الكتاب، والى كل ما يحبونه.
والأرفف تزخر بالكتب الملونة لمختلف المرحل العمرية، وبين هذا الكتاب وذاك يبرز السؤال: هل هناك من فجوة بين ما يريده الأطفال وبين ما يُكتب لهم، ويعثرون عليه بين صفحات الكتب التي اشتروها، أو اشتروها أهاليهم لهم؟ ربما نعتبر رواج الكتب، ونفادها من فوق أرفف العرض مؤشراً إيجابياً يجيب على جزء من السؤال.. ويكفي أن نعرف أنه كما انتهى زمن الحكاية المروية الشفهية، والجدة النمطية كذلك يمكن ان ينتهي زمن الكتاب إذا كان لا يستوفي شروطه عندما لا يشتمل على المضمون الذي يتناسب مع الشكل، والعكس صحيح.. أما من حيث الشكل فإنه الإخراج، والرسوم الجذابة التي تتناسب خطوطها، كما ألوانها والمرحلة العمرية.. وأما المضمون فهو ذلك الذي يراعي احتياجات الطفل.. ولكن أي طفل هذا.. وأي احتياجات هذه التي نتحدث عنها؟ بل إنه الطفل المعاصر ابن يومه بتساؤلاته اللامتناهية في عصر العلم، والتفوق التكنولوجي.. واحتياجاته كما مطاليبه التي أصبحت أكبر، وأكثر تنوعاً، وهو يرى كل يوم الى ما تقدمه التقنيات الحديثة من وسائل تعليمية، وترفيهية بآن معاً تدعم ما يحتاج اليه، وترفده بالمعرفة التي تلزم، وبالمتعة التي يطلب.
إن عالم الطفولة الآن أصبح عالماً شمولياً لا يضم الكتاب فقط.. بل أصبح لا ينفصل عن السينما، والمسرح، والأنشودة، والغناء، والرقص، والموسيقا، والتشكيل، وحتى الألعاب أيضاً بما فيها تلك الإلكترونية، وصولاً الى المدن الترفيهية التي تجد لها مكاناً في أغلب بلدان العالم وهي مصممة، ومخصصة بالكامل للأطفال ليجدوا فيها كل أسباب المتعة، والفرح.
إذن فهل يجوز بعد ذلك الاقتصار على الكتاب فقط؟ أم إن المهم هو النفاذ أو الوصول الى الطفل بكل السبل التي ذكرت.. وهذا ما يتحقق في معرض كتاب الطفل، وقد رُصدت له الجهود، والإمكانيات للوصول الى الغايات.
وبما أنه أصبح لدينا قفزات علمية، وحضارية كبيرة في القرن الحادي والعشرين، كذلك فقد أصبحت لدينا قفزات ذهنية ملحوظة بالنسبة للطفل الذي يعيش زمن (الكمبيوتر)، والفضاء، و(الإنترنت).. ولهذا يصبح الواجب مزدوجاً في ردم الفجوة أولاً بين الماضي والحاضر لندفع الطفل بالتالي الى المعاصرة.. وفي سبر احتياجات الطفل، وتطلعاته ثانياً لنكون مواكبين له، فلا يصاب بالإحباط، أو التراجع، واليأس وهو يعقد المقارنات بل نبث فيه روح النشاط، والتنافس، والتوثب ليستطيع أن ينسجم مع العالم الجديد في هذا القرن الجديد.
إن التواصل مع الأطفال بات أكثر من ضروري، وكذلك هي الإحصاءات، وسبر التطلعات بما فيها رصد إمكانيات الأطفال أنفسهم ليساعدوا القائمين على شأن الطفولة على خلق المناخات التي يتطلبونها، وتحقيق الآمال التي يتطلعون اليها، أو يحلمون بها.. فمثلاً ماذا ستكون الفائدة من عشرات الكتب لمؤلفين، ورسامين، لا يصلون الى عالم الطفل الحقيقي.. أو من عروض مسرحية، أو سينمائية، أو حتى معارض رسوم إذا لم تكن نابعة من واقع الطفل، ومن نسج أحلامه؟ بل إن مشاركة الأطفال أنفسهم في مثل هذه المعارض تترك أثراً إيجابياً لديهم، وتحفزهم لمزيد من المعرفة، والاطلاع، وعقد الصلة مع الكتاب.. ويمكن حتى للمؤلفين، والرسامين، والفنانين على حد سواء أن يحصدوا الأصداء التي تتركها كتبهم، ورسومهم، وتجاربهم المسرحية، والأخرى الفنية المختلفة سواء من موسيقا، أو رقص، وغناء لدى الأطفال،وكأنه الاستقراء، أو السبر لآراء الأطفال فيما يُكتب، أو يُقدم لهم في أجواء تفاعلية يضمها معرض الكتاب فتحقق التقارب بين الطرفين أي الطفل والكاتب، أو الرسام، أو الفنان.. وبما يساعد كل أولئك على الوصول الى الطفل بشكل أكيد، وحقيقي، وكأنما الفائدة في هذه الحال تكون مشتركة، ومتبادلة فيما بين جميع الأطراف.
فلتزدهر معارض الكتب ونأمل كل عام، وهي ترسخ لثقافة الطفل في كل اتجاه.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 13-12-2019
الرقم: 17145