خمس سنوات فقط

 من أبسط مبادئ التربية خلق عالم طفولي خاص بالأطفال يتجمعون فيه مع بعضهم بعضاً، فيتبادلون المشاعر، والأفكار، وتتفتح أذهانهم، وربما مواهبهم أيضاً، وليس بشكل معزول عن عالم الكبار، وإنما طبعاً بإشرافهم، وتوجيههم، واختيار ما هو مناسب لهم.
هذا الجو قد يتوفر جزئياً في المدارس، وبشكل رديء في التجمعات السكانية الصغيرة حيث يلعب الصغار مع بعضهم في الشوارع، أو باحات الأبنية، بينما يتوفر هذا بشكل سليم في المنظمات الخاصة بالأطفال، وربما أيضاً في النوادي الطفولية، أو حتى في نٍوادٍ للكبار في أقسام مخصصة للصغار.
وعندما لا تتوفر مثل هذه المناخات تصبح مسؤولية الأهل أكثر وضوحاً، لكن الملاحظ، ومما يؤسف أن بعض الأهالي رغم أنهم متعلمون، وعلى درجة من الوعي لكنهم يدمجون أطفالهم بعالم الكبار إلى درجة أن المرء يستغرب اصطحابهم إياهم إلى المقاهي، وأمكنة اللهو والغناء، فلا يلبث هؤلاء الصغار أن يندمجوا في الجو من حولهم بشكل رديء، وممسوخ في الوقت الذي يجب ألا يروا ما يرونه، وألا يسمعوا ما يسمعونه، وألا يشاركوا في حلبات الرقص لأن هذا يفسد توجههم نحو المستقبل، ويحرمهم من فرص نموهم الطبيعي كأطفال، بالإضافة إلى الإساءة البالغة التي تلحق بنفسياتهم لتشوهها، وتعرضها للأذى.. فمن المؤسف جداً أيضاً أن ترى طفلات صغيرات كبراعم الورد يحاولن أن يتثنين مع أنغام الرقص أثناء الليل، ويقلدن الراقصة المحترفة، أو جموع النساء الراقصات.
ونستغرب أكثر أن الأمهات، والآباء يكونون أول المتفرجين.. فهل هذا يجوز؟
إضافة إلى أن هذه الأنغام الصاخبة، وهذا الضجيج يؤذي ليس فقط أحاسيس الطفل وإنما سمعه، وذاكرته التي تصاب بالتشويش، وربما تعرضه لكوابيس، أو لإثارات عصبية لا يستوعبها، أو يحتملها سنه.
وهذا في الوقت نفسه لا يعني عزل الطفولة عن الوسط الاجتماعي العام، ولكن الرعاية، والعناية التي يجب أن يتلقاها الأطفال لا تنحصر في طعامهم، ولباسهم، وإمدادهم بالنفقات التي يطلبونها، وإنما بتوجيههم نحو ما ينفعهم في دائرة أعمارهم الغضة، وفي مستقبلهم كالرياضة مثلاً، كما تنمية المواهب وتشجيعها، وبما يتناسب مع الوضع الاجتماعي، والاقتصادي لكل أسرة. فإذا كان الأهل قادرين على دفع اشتراكات لأولادهم في النوادي الثقافية، والرياضية فهذا جيد، وإلا فالمكتبات العامة، والمراكز الثقافية تستطيع أن تزودهم بالكتب، وأن تستضيفهم للمطالعة، وهي تشجع على عادة القراءة.
ليست الحضارة، ولا الحرية تعني إعطاء الأطفال كل ما يطلبون لأنهم لا يعرفون مصلحتهم.. والحضارة ليست قشوراً زائفة وإنما هي تدرج في مراتب العلم، والمعرفة، وامتلاك أسباب هذه الحضارة في فهم مكوناتها من جميع الجوانب.
يخطئ من يظن أن الطفل إنسان صغير لأنه في هذه المرحلة العمرية مختلف تماماً عن الكبير، فهو كائن له عالمه الخاص، وشبكة اتصاله بالمحيط الخارجي، وطريقة تلقيه لاهتزازات هذه الشبكة القائمة على الفعل، والانفعال فقط.
أما ذهنية هذا الكائن فهي كصفحة بيضاء، أو كالعجينة التي يرتسم فوقها كل خط مهما كان دقيقاً، لا لأن هذا الصغير يريد ذلك بل لأن تكوينه كذلك.. والكبار لا يشعرون غالباً كيف يتلقى صغارهم هذه التأثيرات التي تحفر مجراها في عقولهم، أو في نفوسهم.. وليس جديداً أن أقول كما أشار العلماء إلى أن الشخصية الإنسانية كلها تبنى في السنوات الأولى من العمر.. فأي أهمية إذن يجب أن نوليها لهذه السنوات المبكرة، وخاصة إذا ساد الظن بأن احتياجات الصغير لا تتعدى كما ذكرت توفير شروط الحياة من طعام، وشراب، ونوم، وغير ذلك.
وحتى الأسئلة التي يوجهها الصغار في هذه المرحلة ذات السنوات الخمس فهي ذات أهمية خاصة لأنها تحدد منظورهم إلى العالم.. ويبدو من الصعب جداً اقتلاع القناعات التي تشكلت في عمر غض طري.
أما ما يمكن أن يغرس في هذه الأرض الطرية من لمسات أدبية، ومن قيم جمالية، وأخلاقية فإنما يتم عن طريق القراءة التي تمارسها الأم، أو أي من أفراد الأسرة من كتب مبسطة، وجيدة المحتوى تشحن خيال هذا الصغير ليبدأ بتحليقه مثل طائر يجرب جناحيه، كما تبذر بذور الخير، والمحبة، والجمال التي ستنبت فيما لو فعلنا خلال المراحل الآتية من العمر.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 27-12-2019
الرقم: 17156