«أوراق للحب والشعور»

 زرقاء، أو بنفسجية، أو زهرية اللون.. موشاة بأزاهير الربيع، أو بعيون النرجس، أو أزهار الياسمين، أو بدون أزهار.. معطرة بعبق الورد، أو من غير عطر.. لا يهم.. المهم أنها كانت حية، ولم تمت بعد.. تلك الرسائل الورقية الملونة التي كان يتبادلها الأحبة فيما بينهم على مدى الدهور، والأزمان.. وهم يسكبون قطرات الحب على شكل كلمات تنطوي عليها الأوراق لتغدو رسائل عاطفة يبعث بها المحب إلى مَنْ يحب.
ولتصبح تلك الأوراق بالتالي جزءاً من تراثنا، ومن ذكرياتنا المخبوءة التي يأخذنا الحنين إليها في أوقاتٍ دون الأوقات فنهرع إلى الأدراج نفتحها لنخرج رسائلنا، ونحن نشحن أنفسنا بمشاعر تلك الأيام.
ورسائل أخرى ولو كانت ملونة لكنها للفكر أكثر منها للعاطفة.. فالأمر لا يقف عند العشاق فقط بل إنه يتجاوزهم إلى ما بين الأصدقاء، والأقرباء أيضاً، أو الأهل والأبناء لتحتفظ تلك الأوراق بالأفكار، وما قد يخطر على البال.. وبخط اليد وكأنه صورة الوجه.. أليس الخط تعبيراً عن صاحبه؟.. أليست خطوطنا هي بصماتنا، وهي بعض من ملامح شخصياتنا؟..
أما الأدباء فأولئك لرسائلهم المتبادلة فيما بينهم قصة أخرى.. وقد أصبحت جنساً أدبياً قائماً بذاته وهو (أدب الرسائل).. سواء أكانت رسائل للعاطفة التي تطورت من الصداقة إلى الحب، أم أخرى لتبادل الرؤى، والأفكار.. وهل منا مَنْ لم يعرف برسائل (جبران خليل جبران) إلى (مي زيادة) وقد اشتعلت العاطفة بينهما عبر رسائل متبادلة حفظت بالتالي تلك المشاعر لتوثقها إلى ما بعد رحيلهما.. وتنضم إليها رسائل (عباس محمود العقاد) التي بعث بها إلى محبوبته (مي).. تلك الرسائل التي احتفظت بنصوص أدبية زاخرة بالإبداع المحمول على أجنحة حب مشتعل.. ولعل ما ظل مخبوءاً منها هو أكثر مما نشر.. وكذلك هي رسائل الفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر) صاحب فلسفة الوجودية إلى رفيقة دربه (سيمون دوبوفوار) المرأة المتمردة، والأديبة صاحبة الجرأة.
وإذا كنا نتذكر تلك الأوراق التي ربما غدت صفراء بفعل الزمن يحق لنا أن نتساءل ونحن في زمن التواصل الالكتروني، والفضاء الوهمي أن: أين صفحات الأثير اليوم من بياض ورق تلك الأيام، وسواد الحبر الذي يقع فوقها لتُكتب الكلمات متدفقة بفيض المشاعر، وكأن صاحبها يسكب فيها قطرات من روحه، ونزف من قلبه العاشق.. أو من فكره المتقد إذ إن تلك الرسائل هي ليست للحب فقط بل إنها أيضاً للأفكار، وللمشاعر، ولنا أمثلة كثيرة عنها كتلك التي كتبها مصطفى صادق الرافعي، وناظم حكمت، وفرانز كافكا، وديستويفسكي، وغيرهم كثير.. وهي مساحة حرة لانطلاق الشعور بعيداً عن قيود الرواية، أو القصة، أو أي جنس أدبي يُصدَّر للجمهور.. لتنكشف جوانب مخفية من شخصية هؤلاء.
كما لنا في تاريخنا العربي تحت مسمى (الرسائل) ما هو من الكنوز، والأيقونات في العلم، والفكر، كما في الشعر، وكذلك هو الحال في الأدب الغربي وقد اعتبرت بعض المراسلات الأدبية إرثاً قيماً ينضم إلى إرث المبدعين بما يضيف إليه، أو يتفوق عليه.
وها نحن اليوم نستبدلها بما يُسمى بالرسائل النصية التي يستخدمها الناس عبر الهواتف الذكية، مستعيضين بها عن الورق والحبر.. وأنا أتساءل في الألفية الثالثة، وبعد أن أصبحت همساتنا بما تحمله من المعنى على صفحات الأثير: هل بات بالإمكان القبض على ارتجافات العاطفة بين حدود الحروف لليد التي تخط الكلمة ما دامت حروفنا قد أصبحت آلية وكأنها مقتطعة من كتاب مطبوع؟ وهل تستطيع تلك المساحة الصماء للرسالة النصية أن تحمل نبض الشعور وزخمه، وما به من بوح خفي، وعلني يختبئ بين ثنيات الخطوط؟
بل إن رسائلنا النصية الآن أصبحت أشبه ما تكون برسائل إدانة إذا ما تعرضت إلى القرصنة، وانتهاك الخصوصية، وربما إلى التنمر، والابتزاز فما عادت هناك من أسوار تحمي خصوصية الكلمة.. ولا من أوراق تنضم على ارتعاشات الروح كما تنضم الزهرة على بتلاتها.. فقد أصبحنا في العقد الثاني من الألفية الثالثة.. ولا أحد يدري ماذا بعد سيأتي.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 10-1-2020
الرقم: 17165