«انتماء.. لا اغتراب»

 طبيب مغترب، مثقف، وناجح، ويحمل الوطن في قلبه أينما ذهب.. لم يكن اغترابه مقصوداً، وإنما جاء هكذا محض مصادفة، أو لعله جاء في توقيت زمني لم يكن مخططاً له.. لكنه الاغتراب على أي حال، وما يتبعه من غربة، وحنين إلى أهل ووطن، ما كان بالحسبان الابتعاد عنه، فما بالك بالانفصال عنه؟
يقول لي: لا يكفي أن نحقق نجاحنا في المجتمعات الجديدة التي ننتقل إليها، وأن نندمج بها.. لكن الأهم هو ألا نذوب فيها، وأن يظل انتماؤنا الأول راسخاً ليس في نفوسنا فقط، بل في نفوس أبنائنا أيضاً، وهم الذين لم يُنفقوا إلا قليلاً من أعمارهم في وطنهم الحقيقي.
صحيح أن هناك أوطاناً تكون أحياناً بديلة، وخاصة عندما تكون البيئات متشابهة، بحيث تنفي عنها الإحساس بالغربة، والوحشة.. إلا أنها تظل تذكر بالمكان الذي جئت منه طوعاً كان ذلك، أم كرهاً.. والذاكرة تظل تلح على تلك الأمكنة المفقودة، ومَنْ بقي فيها من الأهل والأصحاب، وكل ما يتعلق بخصوصية ذلك المكان البعيد بجغرافيته، القريب بالانتماء إليه، والإحساس بالارتباط به.
مشاعر لا يعرفها إلا مَنْ اختبرها، فكيف إذاً سننقلها إلى أجيال صغيرة لم تتعرف إلا إلى المحيط الذي نشأت به، والبيئة التي وعت ذاتها من خلالها؟ لكن الطريق إلى ذلك ليست مجهولة، ولا مطموسة الملامح أو فاقدة لها، بل إنها تعلن عن نفسها.. فكما هو الانتماء إلى الأسرة يكون كذلك الانتماء إلى الوطن.. إلا أن هذا له سبله من خلال الحفاظ على تقاليد لمجتمعات بعينها دون سواها، والاطلاع على تراثها الفكري والإنساني، وتذوق الفلكلور الخاص بها من رقص، وغناء، وأزياء شعبية، وفنون، وحِرف، وآلات موسيقية، وغيرها.. وأيضاً من خلال التعرف على نماذج من رموز وطنية لتكون قدوة لأبناء بلادها، ولغيرهم أيضاً، إذ تتفوق في أدائها الإنساني، وفيما تحققه من إنجازات، وتأثير إيجابي في المجتمع، ونجاحات تجعل منها مثالاً يحتذى.. ليس هذا فقط بالطبع فهناك المهن، والصناعات التي تشتهر بها دولة دون أخرى حتى يقترن اسمها به، وتكاد تصبح أو أنها تصبح بالفعل رمزاً، وهوية كما هو حال السيف الدمشقي، والأثاث الدمشقي الموشى بالصدف، وبخيوط الفضة، وقماش (البروكار) الدمشقي أيضاً المنسوج بخيوط الحرير والفضة والذهب، كأفخر أنواع المنسوجات في العالم التي تنفرد بها مدينة دمشق.. إن الحفاظ على التراث هو من ثوابت الأمم لأنه الجذور، ولأنه يؤصل الانتماء من خلال الهوية.
والهوية لها دور كبير في حياة الشعوب، والأفراد على حدّ سواء.. فما بالنا بالعلاقة بين الأبناء في المغترب وفكرة الانتماء، وتقريب المفهوم إليهم حتى تظل الخيوط موصولة مع الأصول فلا تنقطع، وحتى يعرفوا ثم يوقنوا بأن الانتماء يعني أن يعرف المرء هويته.. وعندما يتحقق الانتماء إلى بلد معين فإن ذلك يعني تحديد الشخصية.. ومَنْ لا شخصية له لا هوية له بالتالي، لأن الوجود لا يتحقق إلا من خلال معرفة الشخصية، ومعرفة انتمائها للوطن الصغير أولاً، ومن ثم للوطن الكبير.
والحفاظ على اللغة واللهجة يشكلان عنصراً لا يُستهان به في تأكيد الهوية التي متى تأصلت حملها الإنسان معه أينما حلَّ في هذا العالم الكبير الصغير.. هذا إلى جانب الثقافة الوطنية التي لا تقبل بدورها للثقافة الأخرى أن تنتزعها، أو أن تلتبس بها.
فهلا قمنا بتغذية دماء الأبناء بمقومات الإنتماء من لغة، وثقافة، وفلكلور، وقيم، حتى يكونوا في المستقبل على درجة عالية من الوعي في الحفاظ على هويتهم وفي الدفاع عنها، بل حتى تذوق مفرداتها؟ فلا تذوب أجزاء منها في ظل العولمة والانفتاح، ولا في ظل الغربة، والاغتراب.
وأعود لأسمع منه كلمات مجروحة: إذا كان الحنين هو ما سيعود بي يوماً من حيث أتيت.. فهل حقاً سيعود أبنائي إلى وطنهم الحقيقي بعد أن عاشوا بعيدين عنه؟

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 31-1-2020
الرقم: 17182