«فاشينيستا»

 الألفية الثالثة والتي قطعنا فيها عقدين من الزمن ما زالت، وستظل تفاجئنا يوماً بعد يوم بما هو جديد الجديد.. ليس في مجال التطور العلمي، والتكنولوجي فقط بل أيضاً بما هو من المفاهيم الجديدة، وبأساليب حياة لم تكن مألوفة من قبل، وبممارسات قد تكون دخيلة على مجتمعاتنا العربية، وبيئاتنا المحلية، ونحن نسير في ركبها، ونتآلف معها.. وكل ذلك يتبع، أو يتماشى مع موجة التطور المتصاعد في مناحي الحياة عموماً.
أما فكرة (الموضة) وقد صادرت أغلبنا لصالحها فهي تتجلى في مجالات كثيرة ليس أولها الأزياء، وقصات الشعر، ولا آخرها العيش على الطريقة الحديثة بما يتبعها من سلوكيات، وتفاصيل يومية.
ومن الموضة ما تُحدِّث قديمها لتحيي نفسها من جديد.. وهي ليست عبثاً بل إنها تعبير حي عن أفكار مبتكرها، وكيف يرى أموراً بعينها.. وهذا الذي يبتكر لن يفتقد جماهير المقلدين، والمتبعين الذين يسيرون على منواله، وربما منهم من يتبنى أفكاره، ورؤيته دون أن يناقشها.
أما الأزياء وكل ما يتعلق بالمظهر الشخصي للمرء فلها دوماً النصيب الأكبر مما يسمونه بالموضة، وها هو مصطلح (الفاشينيستا) يعود ليحيا منتعشاً بأعداد كبيرة ممن يعتبرون أنفسهم من محبي الموضة، وهم ليسوا الذين يصممونها بل هم أولئك الذين يستعينون بها ليختارون أزياءهم بأنفسهم، ودون أن يبتعدوا عن أحدث صيحات الأزياء.. وهي على أي حال ليست ظاهرة مستحدثة، إذ إنها ظهرت مع بداية الألفية الجديدة، أو قبلها بقليل، لكنها أصبحت الآن منتشرة، وبكثرة من خلال مواقع التواصل ليُظهر كل أحد مواهبه، وما يمتاز به عن غيره من ذوق رفيع في اختيار الأجمل، والأنسب من الأزياء.
لكن هذه الظاهرة أصبحت تعلن عن نفسها بشكل آخر أيضاً، وكأن منصتها التي تظهر من خلالها هي مرآة لا للأزياء فقط بل لتفاصيل الحياة الشخصية التي تدل عليها أماكن التصوير، ومواقيتها، والأشخاص الذين يرافقونها.
لطالما كانت طريقة اللباس تعبر عن الشخصية، فهذا متحرر، وذاك متحفظ وما بين هذا وذاك تتنوع خطوط الموضة، وتختلف ألوانها لتحكي قصتها، وتتعدد أقمشتها ليحصل صاحبها على مظهر يرضي حاجة عاطفية لديه.
والناس أصبحوا يهتمون بأولئك الذي يعرضون أنفسهم عبر وسائل التواصل كل يوم في زي جديد، حتى أنهم أهملوا مجلات الأزياء، ومنها ما كان شهيراً جداً، فما عادت تستميل إليها تلك الأعداد التي كانت تنتظر صدورها بفارغ الصبر.. إذ إن المواقع الالكترونية أصبحت أكثر إثارة، وتنوعاً، وإبهاراً في المتابعة من صفحات ورقية لمجلة لديها نماذج محدودة لتعرضها.
وحتى البرامج التلفزيونية باتت تحتفي بهؤلاء الذين يصفون أنفسهم بمصممي الموضة، فإذا ببرامج تخصص لهم، ومنها ما هو للتحدي والمنافسة فيما بينهم، في حين يشتد التنافس بين القنوات العربية على مثل هذه البرامج سعياً وراء حصد نسب مشاركات، ومشاهدات أكبر فأكبر.. ليغدو عالم الأزياء وموضاته هاجساً يشغل الناس ليحصلوا من خلاله على إطلالة عصرية تكسبهم الثقة بأنفسهم.. لكن المبالغة في أي أمر تجعله ينقلب إلى ضده.. فهذه البرامج، وتلك المواقع التي تزدحم فيها (الفاشينيستات) تجعلك أحياناً تتساءل بينك وبين نفسك: هل هذا المظهر جميل فعلاً.. أم أنك مقصر في معرفتك، واطلاعك؟ وهل بالتالي تبدلت مقاييس أجساد العارضات فما عادت تلك النحيلة والمتناسقة؟.. بينما يتابع البرنامج فقراته وعبارات الإطراء التي لا تخلو من المبالغة تنهال على (الفاشينيست)، أو (الفاشينيستا) ممزوجة بالمفردات الأجنبية، وربما دارت حوارات ساخنة حول براعة انتقاء الأزياء بينما أنت تقف حائراً لا تعرف كيف تحدد موقفك منها.
وما بين المرأة (الفاشينيستا)، والرجل (الفاشينيست) تنسى أن تصميم الأزياء هو فن كباقي الفنون له أصوله، ومدارسه، وثقافته البيئية والاجتماعية، وابتكاراته التي يأتي بها إبداع الخيال، ومهاراته التي تؤسسها التجربة، وإيقاعه الذي ينسجم مع عصره، وتفتح لأجله بيوت الأزياء العالمية.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 7-2-2020
الرقم: 17187


طباعة