الموتى.. إذ يعودون

 لا أنكر شغفي بالتقنية الحديثة، وعلومها، وإن لم يكن بالتعامل المباشر معها إلا بالقدر المتاح منه.. فعلى الأقل بتتبع أخبارها، والاطلاع على أحدث ما لديها.. ومن تجاربها ما يستدعي الوقوف عنده لأنها تمهيد لما سيأتي بعدها، وفي تجربة مثيرة تشبه تقنية (الهولوغرام) وتختلف عنها، وتكاد تكون مخيفة، بل هي مخيفة بالفعل، استوقفتني تلك الأم الثكلى لفقد ابنتها وهي لا تزال تخطو في سنواتها الأولى في الحياة، فإذا بها تخوض في مغامرة استحضارها من خلال الواقع الافتراضي لتلتقي بها جسداً حياً من جديد، ولكن في واقع موازٍ غير حقيقي بالطبع.. بينما الأجهزة المتطورة تسعف، وتجسد، وتشحن بفيض من المشاعر المختلطة حتى يكاد المرء لا يميز ماذا أصابه في روحه، ومشاعره من جراء تلك التجربة الأحدث، وربما الأقسى، والأكثر غرابة من بين مثيلاتها، وإثارة للسؤال: وماذا بعد؟.. ولماذا تخبرنا التقنية الحديثة أنه أصبح بإمكاننا الآن أن نستعيد مَنْ فقدنا من الأحباء، وكأن رحيلهم عن دنيانا كان مؤقتاً وليس أبدياً بدليل أنهم يعودون إلينا بالصورة، والصوت من خلال برامج للتقنية الذكية؟
فهل كانت تلك التقنية الجديدة، وما يشبهها ذكية بما يكفي في رصد مشاعر مَنْ يستخدمها، وأحاسيسه، فلا تتركه مع آثار مدمرة وهو الذي كاد أن يلمس حقيقةً من تتجسد صورته أمامه نتيجة المشاهدة الحية بأبعادها الثلاثية، فتحرره بالتالي من سجن أحزانه، ولا تدعه عالقاً في حلقة مفرغة للوقت تعود به في دورانها إلى نقطة الصفر، وكأن الزمن انفصل عن المكان فما عاد يُنسي الذي كان؟.. أم أنها الجرأة فقط في استعراض إمكاناتها، ولو من خلال افتراض لا يخلو ربما من القسوة إن صح التعبير؟ وكنا فيما مضى نكتفي بأن يزورنا طيف من نحب في الحلم، وكأن الأرواح تلتقي لتؤكد أنها لا تنسى أحباءها.
بالفعل لقد غيرت التكنولوجيا من أمزجة حياتنا، وأحاسيسنا بشكل غير مسبوق، فإذا بنا نخوض في تجارب عجيبة غريبة ما كانت لتخطر على البال.. إذ كان أبعد ما يذهب إليه بعض اليائسين من الناس هو ما يسمى بتحضير الأرواح، ولكن.. هل كانت فعلاً تحضر تلك الأرواح.. أم أنها خيالات من أوهام، وتوق لما هو من المحال؟.. أما الآن فلا داعي للاستدعاء من العالم الآخر، إذ إن الحلول البديلة أصبحت متوفرة، وبشكل يكاد يكون محسوساً، ومادياً ملموساً كحال تلك الأم التي كانت تحاول أن تضم صورة طفلتها الفقيدة إليها.. بل ربما طورت هذه التقنية من نفسها بحيث تبتكر أجساداً كما الدمى تُسقط عليها تلك الصور الافتراضية لتكون الملامسة حقيقة لا ضرباً من وهم الخيال.
إن فقد الأعزاء يشعرنا بالوحدة، وكأنه يهمس لنا بأننا سنعود من حيث أتينا وحيدين مثلما جئنا إلى هذه الحياة.. ومشاعر الحزن في حدتها تختلف بين شخص وآخر تبعاً لشخصية المرء، ولطبيعة علاقته بمن فقد.. وهذا بدوره يضعنا بين متناقضين: هل نحن مع مثل هذه التجارب الحديثة، أم ضدها؟.. وما هو الذي سيأتي بعدها ليكون في حدَّتها؟
وإذا كان هناك من يقول إننا في عصر متقدم علمياً بحيث بالإمكان العثور على حلول لمعضلات في كافة المجالات، وأن علينا أن نستفيد من الكم الهائل من المعلومات، والإمكانات التي تطرح نفسها بين أيدينا فهل هذا مبرر لمثل هذه التقنيات إلا إذا جاءت في مسار علاجي يدعمه أطباء نفسيون، كحالة من التعويض تساعد في تجاوز أحزان النفس للعودة إلى الحالة الطبيعية، وتقبل الواقع؟
وهل يجوز لنا أن نتجاوز حقائق الوجود في الموت والحياة، ومراحل تطور الإنسان من الطفولة إلى الكهولة، وفي الصحة والمرض فنحلم بأن نهزم الأمراض جميعاً ليغدو العيش خالياً منها، وأن نعثر على عشبة البقاء فلا نشيخ، ولا نموت؟ إن تسارع نمو العلم، وتقنياته ما يجعلنا نقف في منعطفات كثيرة قد تفاجئ العلم ذاته بردود أفعالنا كأفراد، وجماعات، وربما ثقافات حيالها.
ولكن مهلاً.. ماذا لو أن العشاق لجؤوا لاستخدام هذه التقنية كوهم مقنع.. ألن تكون علاجاً للقلوب الجريحة؟ ألن نستطيع عندئذ أن نستعيد مَنْ أماتنا وهو لا يزال حياً لدينا حتى تنتهي الأمور من تلقاء ذاتها؟!
الحلم والحقيقة خطان متوازيان ليس لهما أن يلتقيا.. وأخطار دونها أخطار ندفعها ثمناً في مسار التقدم التقني قبل أن يحسمها العلم سلباً أم إيجاباً، ليعدمها، وينفيها، أو أنه ينعشها، ويحييها.. وساعة الوقت تنتظر حتى يأتيها الجواب.

لينا كيلاني
التاريخ: الجمعة 28-2-2020
الرقم: 17205


طباعة