" الفيروس الذي سيغير العالم "

وباء اخترق عالمنا كصاعقة لم تنذر، أو أنها أنذرت ولم ندرِ، بينما العالم في غفلة عن كل ما هو آتٍ بما لا يبشر بالخير.. إصابات بشرية، وكوارث اقتصادية ستلقي بظلال كثيفة وداكنة لمدة ليست بالقليلة.. وربما التعافي منها لن يكون سهلاً أو قريباً.
مَنْ كان يتوقع ولو في قصص الخيال أو حتى العلمي منه أن تصبح شوارع العالم خالية من البشر لتبدو معها المدن التي لا تنطفئ أضواؤها كمدن أشباح لا يتجول فيها سوى القطط الشاردة، ومَنْ يضبط الأمن والنظام.. ولو أن الأوبئة الفتاكة التي تتسبب بالموت الجماعي ليست بحديثة العهد، إلا أن حديثها هذا له مسار مختلف في سرعة انتشاره، وقد ساعد على ذلك وأنعشه سهولة تنقل الناس بين الدول، والبلدان، وتوفر مختلف وسائل النقل السريعة مما لم تكن كما هي عليه الآن في زمن سابق تفشت فيه الأوبئة فحُصرت في مساحات دون غيرها.. كما ساعدت أيضاً على سهولة هذا الانتشار كثرة المناسبات، والأماكن التي تجمع الناس في أعداد كبيرة كدور السينما، وملاعب الرياضة، والأسواق التجارية الضخمة، ومدن الملاهي، وغيرها كثير.. ليصبح هذا الوباء ربما هو الأخطر عالمياً رغم التقدم العلمي الكبير الذي وصلنا اليه.. وليصبح العالم بأسره في إجازة مفتوحة، بينما المخابر العلمية في استنفار في حدوده القصوى لمجابهة أكبر جائحة في العصر الحديث.
والدول تتسابق في اتخاذ إجراءاتها الصارمة من الحماية، أو العزل، أو الحجر لعلها تكبح جماح الجائحة الشرسة.. والمخابر العلمية في سباق مع الزمن للوصول إلى ما يدرأ الخطر.. وأهل الأرض يمتثلون، وهم في بيوتهم يترقبون لحظة الإفراج عنهم ليستردوا حريتهم من جديد بعد أن سلبها منهم كائن مجهري دقيق كلّل نفسه بتاج الانتصار على البشر، وهزمهم ما لم يسعفهم علمهم، وتعينهم تجاربهم في القضاء عليه.
والأفراد في كل المجتمعات وجدوا أنفسهم هكذا فجأة وقد حرموا من كل المميزات التي كانوا يتمتعون بها، والتي باتوا يعتبرونها أمراً عادياً في تفاصيل أيامهم بعد أن ألفوا أنماط حياة معاصرة ممهورة بكل وسائل الترفيه، والتسلية، والراحة، بما فيها سهولة التنقل بين جهات الأرض الأربع، ولا ما يعيق.. حتى اللغات التي كانت حاجزاً في التفاهم بينهم لم تعد الآن عائقاً بين الشعوب مع ظهور تطبيقات على الهواتف الذكية تستطيع الترجمة الفورية لأكثر من عشر لغات.
لكن العالم اليوم لن يعود الى ما كان عليه بالأمس بعد أن يتجاوز محنته.. لأن الوباء سيفرز العالم قريباً الى فئتين: أقوياء، وضعفاء.. أغنياء، وفقراء.. مَنْ يصنعون العلم، ومَنْ يستوردونه.. ومَنْ يعثرون على الدواء، ومَنْ ينتظرونه.. وثروات العالم تتراكم في أيد دون أيد ليعاد توزيعها من جديد وفق معايير، وشروط كل جديد.. ودون أن ننسى شركات المنتجات التي تتطلبها الأزمة للوقاية والحماية، والتي تزايد الطلب عليها بشكل جنوني، وكذلك شركات التسويق، والاتصالات، وتكنولوجيا (الإنترنيت)، وغيرها، وهي تلعب الآن دورها بجدارة تثبت من خلاله حضورها القوي، وتنعش مواردها المالية بدفعات استثنائية، وربما خيالية.
وسواء أكان المرض مصنَّعاً، أم إفرازاً شرساً من الطبيعة فإنه قد بدأ بتغيير وجه العالم الذي بدا مندَّباً، أو ليظهره على حقيقته المفزعة في النزاع، والصراع، وانقسامات الشعوب، أو تقاربها بين النداءات والاستغاثات، واستنزاف موارد الأرض، وتلوث الأجواء، والحروب التي يصطنعها بما يخدم مصالح شعوب بعينها، وأنظمتة الاجتماعية والصحية الهشة، وعجزه العالمي في احتواء المرض، أو القضاء عليه قبل أن يستفحل في كل بقاع الدنيا.. ليقف العالم بالتالي في لحظة حقيقة لعله يراجع فيها نفسه فيحصي أخطاءه، وهو يبحث عن سبيل خلاص جماعي من وباء لم يعرف بعد كيف سيتعامل معه بالشكل الصحيح.. وهو يرصد تريليونات الدولارات لمكافحته، ولإنقاذ الفئات التي فقدت وظائفها، ومواردها المالية من عمالة يومية، أو موسمية، والصناعات التي توقف إنتاجها.. وأزمته أنه لا يعرف متى ستنتهي الأزمة.. ليسود منطق البقاء للأقوى.
وتُقفل بوابات المدن، وتُودع مفاتيحها رهن من يقاومون (كورونا) بأبحاثهم، وتجاربهم.. وتُنصب المشافي الميدانية.. والناس يصابون بسعار شراء المواد الغذائية.. إلا أن هذه الحالة خلقت نوعاً من التعاطف بيننا، ونحن جميعاً نواجه عدواً واحداً نشعر حياله بالعجز، وإننا جميعاً في ورطة مشتركة، ومواجهة متحدة ستجعلنا فيما بعد نقف جميعاً على قدم واحدة في وجه ركود اقتصادي عالمي متوقع.. بل يكفي أننا أصبحنا قطيعاً واحداً لنصنع المناعة التي يسمونها (مناعة القطيع) لتنجو بنا.
لكن المثل الإنكليزي يقول: (لكل سحابة بطانة من فضة).. وعندما تنقشع سحابة الوباء فسنلمس بطانة الفضة.. وسنجد حقاً أننا تغيرنا كما لو أننا ولدنا من جديد.. بل إن وجهاً جديداً للعالم سيظهر لنتعرف عليه، ونتآلف معه وكأننا لم نأت اليه قبلاً.. وعند ذاك بالتأكيد سنشعر كأفراد بأن الحياة أجمل رغم القتامة التي قد تبرز من حولنا، وأن تفاصيلها الصغيرة غدت تعنينا أكثر من ذي قبل بعد أن كادت الأشياء تفقد معناها مع دوران عجلة التطور المتسارعة.. كأن نمشي في الشارع من دون خوف من أن يصيبنا المرض.. وان نلتقي بأحبائنا من دون خوف من أن نصيبهم بعدوى.. وأن نجمع الهدايا لنتبادلها في المناسبات السعيدة.. فلعل العالم ينجو ليتغير نحو الأفضل فلا نصطدم بما هو أسوأ.

 لينا كيلاني


طباعة