«هل أنت موجود؟»

 مقولة ديكارت الشهيرة: (أنا أفكر إذن أنا موجود) قد تُقتبس، أو يجري عليها بعض التعديل لتصبح (أنا أقرأ إذن أنا موجود).. والسبب في ذلك يعود الى الكم الهائل من المعلومات التي تتدفق دون توقف عبر شبكة المعلومات بما يشمل الكتب، والدراسات، وكذلك الأبحاث العلمية، وكل ما يخطر في البال في مجال المعرفة بجميع فروعها على اتساعها، ولامحدودية عددها.. فماذا نحن فاعلون أمام هذا النهر الهادر الذي يحمل جواباً لكل سؤال، ومعلومة عن كل مقال؟.
حتى التعليم أصبح يُرصد، ويُبث عبر الشبكة العجيبة التي هي في واقع الحال باتت موسوعة البشرية، وحاضنة ذاكرتها الجمعية.. بل إن الدخول إليها، والبحث من خلالها -والذي هو متاح لأي أحد يريد أن يعرف أكثر- يفتح الآفاق أمام أفكار جديدة، ومبتكرات حديثة، وقد يساعد ذلك في العثور على حلول لمشكلات قائمة، أو مسائل عالقة.. كما قد تنبثق فرص حياتية ما كان لها أن تُوجد لولا البحث والاطلاع، وخاصة أن فروعاً جديدة من العلوم أخذت حيزها فيما يُسمى باختصاص الاختصاص في الجامعات، وصولاً لأضيق مجالات التخصصات العلمية.
والتكنولوجيا باتجاهاتها المختلفة التي يتسع مسارها يوماً بعد يوم بما تصل إليه من اختراعات وابتكارات واكتشافات، تعزز بدورها مسار هذه العلوم، وتوسع من آفاقها لتغير وجه العالم بالتالي وبوتيرة متسارعة، إذ لايكاد الناس يألفون أي جديد حتى يأتي ما هو أكثر جِدة منه وتطوراً.. وهكذا تدور العجلة بلا انقطاع، وهي لا تنتظر مَنْ ينضم إليها، أو ينفصل عنها.
أما منجزات الحضارة بما تفرزه بين أيدي الناس، فهي تستدعي حداً أدنى على الأقل من المعرفة، والاطلاع ليكون التعامل معها صحيحاً، وبما يؤدي الغرض منه.. وخاصة أن هذه المنجزات أصبحت في العقود الأخيرة تتهاطل بكثافة كما الغيث مما لا يُقبل معه أي تقصير، أو عدم دراية فيما يخص مفردات هذا العصر، لأن كل مرحلة تمهد لما بعدها.. فإذا لم تتم معرفة الخطوات الأولى بشكل سليم، والتفاعل معها بشكل أكيد، تعثرت تلك التي تليها.. والتفاعل أخذاً وعطاءً أصبح ضرورة أكثر منه اختياراً.
إلا أن مسارات معينة من الشبكة تتوهج مواقعها أكثر من غيرها، ويزدحم المرور عليها كما لو أنها طريق لا تضبطها إشارة تنظم السير فيها.. وهذه المسارات التي تستنزف قدرات القراءة.. والمتابعة لا تتعدى تلك المواقع الاجتماعية التي يتواصل الناس من خلالها، والأخرى التي تبث أخبار الساعة في كل ساعة ولحظة، وغيرها مما يكتظ بالصور المعبِّرة، والأفلام القصيرة التي تنطق بألف خبر وخبر.. حتى كادت المواقع الإلكترونية التي تنفرد بالعلم والمعرفة تسقط من بين فراغات شبكة العنكبوت التي تحملها لقلة من يرتادها، ويصرُّ على الدخول إليها.
ولو سألت محركات البحث عن أكثر ما تُسأل للبحث عنه، لوجدت اهتمامات الناس تنحصر في موضوعات بعينها تخص الفن وأصحابه في الغناء والرقص، والمسابقات الفنية، وغيرها من أمور الرياضة، وأخبار المجتمع، والقصص التي يتم تداولها، والشائعات التي يُروج لها، وأخبار الكوارث والحروب، وأحوال الطقس، وكل ما يخص حياة المشاهير وأغلبهم من مشاهير الفن والرياضة بالتأكيد، ورصد النجوم وتنبؤات أبراج الفلك، وتفسير الأحلام، ووصفات الطبخ، وغيرها من وجبات المعلومات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
بل إنه جوع المعرفة الذي كاد يتحول الى كل ما هو هش، وآني سريع الزوال سواء من الذاكرة، أو من واقع الأحداث.. أما نهر المعرفة المتدفق، والذي يُغني بكنز من العلوم، والمعلومات فتكاد تسقط في مجراه آلاف الحجارة الصماء حتى يتعثر منه الجريان.
معارف قيّمة أصبحت مبذولة، تقابلها إمكانات مهدورة، وجميعنا نريد أن نصبح أبطالاً لكننا نكتفي برصد الأبطال، ولا نغدو مثلهم.. إلا من قلة تهتم، وتتابع، وإلى اكتساب العلم تسارع، وهي تردد: أنا أقرأ لأنني موجود، ولأن كل ما أريد أن أعرف عنه أيضاً موجود.

(إضاءات) ـ لينــــــــا كيـــــــلاني ـ


طباعة