" حضارات الألفية الثالثة "

نعلم أن العلاقات الإنسانية تقوم عادة على قواسم مشتركة بين أفرادها، إذ كيف سيتقاسم المرء اهتماماته مع الآخر ما لم يكن هذا الآخر له الاهتمامات ذاتها؟.. وما هو مشترك من آراء، أو ميول، وهوايات يكون سبباً للتقارب، ولما هو أبعد لتنشأ الصداقات، ومنها الحميمة التي تدوم عمراً كاملاً.

وليس البشر فقط مَنْ يتشاركون، ويتحاورون بل الحضارات أيضاً تفعل، والمتزامنة منها على الأخص، ولإيقاع حوارها صدى أعلى.. وكل منها تتحدث عن الأخرى، وتدل عليها وهي تحكي قصتها.. لكن أهل الحضارات الآن في الألفية الثالثة، وبعد أن ضمتهم العولمة تحت مظلتها أصبحوا لا يتحاورون فقط بل إنهم يتخالطون، ويتمازجون.. فالاهتمامات العامة تكاد تصبح واحدة على مختلف الأصعدة، كما في مشاكل البيئة مثلاً التي باتت آثارها الكارثية تنسحب على كل بقاع الأرض من ارتفاع في درجة حرارة الأرض نفسها، إلى ارتفاع منسوب مياه بحارها، وذوبان ثلوج القطب فيها، وغيرها، وهي تنعكس على كل القارات، ولا توفر واحدة منها.. وكذلك مشكلات الاقتصاد العالمي في انهياراته، وأزماته.. ومؤخراً أخذت تظهر على الساحة الأوبئة العالمية لتشكل عنصراً جديداً يضاف الى كثير غيره، وقد ساعدت وسائل النقل على سرعة انتشاره.

إلا أن العنصر الأبرز في معادلة التمازج هذه كان الثورة الرقمية التي وصلت أطراف العالم بعضه ببعض فأصبح الناس في كل الدنيا، باستثناء قليل منهم ممن يتمسكون بجذور حضاراتهم، أو بمناطقهم التي ما تزال بدائية.. أقول أصبح الناس يتحركون في فضاء يكاد يكون واحداً تجمعهم فيه وسائل التكنولوجيا كأدوات معاصرة ذكية، وتستطيع أن تفعل فعلها في جذب الجميع إليها دون استثناء، أو تمييز بين مجتمعات وأخرى.. فإذا بالمظهر الخارجي يتشابه عموماً، وإذا بالمأكل والمشرب تتقارب فيهما الأذواق ليتم تبادل الأطباق بين الشعوب.. وإذا بإتقان اللغات الأخرى يصبح أمراً محققاً، وضرورياً ليكون التواصل حقيقياً.. وإذا بما يجذب الناس من صور، وأخبار، وأفلام قصيرة تسري بينهم كما لو أنهم أبناء مجتمع واحد.

أما السينما فتأتي في رأس القائمة لتجمع في صالاتها أناساً من كل البلدان يشاهدون ما تقوم بصناعته.. وأفلامها يتزامن عرضها في أغلب الدول، والعواصم.. وما عاد هناك من فرق بين عالم متقدم وآخر نامٍ، أو بين مَنْ ينتج الحضارة ومَنْ يستهلكها فالاهتمامات التي تعززها لغة العصر أصبحت واحدة بين شرق وغرب، كما بين شمال وجنوب.. حتى أن ملامح وجوه الناس كادت أن تصبح متشابهة.

والفن من رقص، وموسيقى، وغناء فقد تمازجت أوتاره، وإيقاعاته لتألف الأذن جميع الألحان.. وكذلك الفن التشكيلي بما يعبر عن ثقافة كل شعب، وخصوصيته فقد فُتحت علب ألوانه لتتناثر في كل مكان الى أن وصلت الى الأزياء، فلم نعد نستغرب تلك الأقمشة مثلاً وهي تنثني، وتتماوج بلوحات إفريقية، على أجساد عارضات أوروبيات، أو آسيويات.. ولسبب بسيط جداً يتلخص بكلمة (موضة).

ولم تخلُ أيضاً التصاميم المعمارية من نماذج لعمران حديث يصلح لأن يقام في أي مكان. ونظم التعليم الحديثة التي تكاد تصبح عالمية في مناهجها، ومدارسها هل نسيناها؟ بالطبع لا.. بل هي الأكثر تأثيراً مادامت تدرّس علوماً واحدة، وثقافة معاصرة تتشابه في أجزاء منها مع غيرها من الثقافات.

كذلك فقد ساهم عالم الألعاب الإلكترونية بأجوائها الغرائبية في تقريب رؤوس اللاعبين مهما تناءت بينهم المسافات.. وعملت محركات البحث عبر شبكة المعلومات على إطلاع كل مرء على منتج الآخر الفكري، والثقافي.. ومثلها فعلت فضائيات العالم وهي تربط أجزاءه ببعضها.

إلا أنه في المحصلة كان لنمط الحياة الغربية أن يسود بنسبة كبيرة في أغلب مجتمعات العالم، وقد عززت ذلك وسائل المواصلات مرة أخرى إذ سهلت سفر الناس من مكان لثانٍ، مترافقة بموجات الفنون السائدة على تنوعها.. بينما الفضائيات التي يعرض كل منها ثقافته فقد لعبت دورها في التواصل، والتحاور، وربما من بعده الاندماج.. فالتأثر والتأثير بات محققاً بالفعل.. وما عاد هناك من حدود فاصلة بين بلدان العالم ولو افتراضياً، أو على صفحات الأثير.. أما القضايا الإنسانية المشتركة فإذا بها تجمع الشعوب، والأمم وتوحدها في البحث عن حلول للإنسانية جمعاء في مواجهة مشاكل الأرض، أو أزمات الأوبئة والأمراض.

الحضارات تتصادم، تتحاور، وقد تندمج فيما بينها في عصر جديد، وألفية جديدة.. بينما يبقى المحور هو كوكب واحد مشترك هو ملك لكل أحد.

إضاءات- لينــــــا كيــــــــلاني

 


طباعة