" بين تباعد وتواصل "

لماذا يثور الناس الآن على العزلة الاجتماعية وقد اختبروها جيداً قبل عهد (كورونا) بوقت طويل حتى كادت تقضي على علاقاتنا الاجتماعية تماماً، وتدمرها لصالح الأجهزة الذكية التي استغلت سذاجتنا لتستولي على عقولنا، وأوقاتنا، ومشاعرنا؟.. ألم نألف على مدى السنوات التي انقضت انعزالنا مع أجهزتنا الذكية لساعات طوال على مدار اليوم، وكأن العالم الخارجي لم يعد يعنينا في شيء؟.. أم إنه الخواء الداخلي الذي يدعو الى الملل القاتل، والضياع الكامل؟.. أو إنه الاستخدام غير المجدي لتكنولوجيا المعلومات وشبكتها هو ما أوصل الى هذه الحال من الضيق، وعدم تقبل العزل الاجتماعي بينما كل نوافذ العالم أصبحت متاحة لكل من يرغب، وبكبسة زر؟.. ثم لماذا هذا الرفض، وحالة عدم التأقلم، والتكيف مع الأوضاع الجديدة التي فرضتها الأزمة الصحية العالمية الطارئة؟.. وكأن عوالم النفس غدت فارغة هي أيضاً كما شوارع المدن، ولا تجد ما يشغلها، ويبهجها إلا من خلال ضجيج العالم الخارجي؟.. لا بل إنه الافتقاد الى التواصل الحقيقي مع الآخر بعيداً عن ذاك الافتراضي هو ما أصبح يلح علينا بعد أن فُرضت العزلة الاجتماعية علينا، وما عادت فرصة التواصل اختيارية لنا.

لماذا نصرخ ضجراً، ومللاً، واحتجاجاً ونحن ننفق ساعات أيامنا في التذمر، والاعتراض والخرق لما هو مطلوب الالتزام به في هذه الايام الاستثنائية غير المسبوقة في تاريخ الذاكرة البشرية، والكرة الأرضية على امتدادها من أدناها الى أقصاها.. وما من مكان في العالم سيسلم من هذه الجائحة الطارئة التي وصلت استطالاتها حتى الى غابات الأمازون الساكنة المغلقة على سكانها من الحيوانات البرية!

إن أفق الانفتاح على العالم الخارجي، ولو افتراضياً أصبح أكبر اتساعاً، وأكثر ثراءً من ذي قبل في ظل الأزمة القائمة أزمة (كورونا) وما يتبعها من حجر، وعزل صحي.. فما من جهة علمية، أو فكرية، أو ثقافية فنية وأدبية، أو اجتماعية إلا وفتحت أبوابها واسعاً على أروقتها عبر شبكة المعلومات للاطلاع على محتوياتها، مخزونها وكنوزها في زيارات افتراضية.. حتى أشهر مسارح العالم كمسرح (البولشوي) الروسي، ومسرح (برودواي) الأمريكي فقد أتاح كل منهما متابعة حفلات عروضهما النادرة عبر الشبكة في مبادرة غير مسبوقة، ولعلها فرصة ثمينة ما كانت لتتاح للجمهور العريض لولا هذه الظروف المستجدة.. وكل هذا بهدف التخفيف من أزمة العزل، والحجر.

أما مكتبات العالم الزاخرة بأمهات الكتب الثمينة قد أتاحت هي أيضاً قراءة كتبها النادرة عبر شبكة المعلومات بعد أن أغلقت أبوابها في وجه روادها لتوفر عليهم في الوقت ذاته عناء زيارتها.

النشاط البشري في مختلف المجالات مازال قائماً.. لا بل إنه انتعش بمراحل أكثر مما كان عليه من قبل لأن الشبكة أصبحت النافذة الوحيدة التي يطل منها المرء كي لا يُبطل نشاطه.. بل ربما ساعده ذلك على مزيد من الابتكار ليجلب اليه القدر الأكبر من جمهوره، خاصة وأنه يستطيع أن يكتشف تفاعل هذا الجمهور معه مباشرة من خلال الحوارات، والتعليقات، وعلامات الاستحسان، وكأنه تصفيق الجمهور، ووقوفه تعبيراً عن إعجابه في القاعات، والصالات المغلقة. وحتى منصات تعليم اللغات الاجنبية عززت من برامجها المتاحة للراغبين.. وكل ذلك هو بالمجان الآن: كتب، مكتبات موسيقية، صالات مزادات عالمية، مسارح، متاحف، صالات معارض فنية، وغيرها كثير. صحيح أن دائرة الاستثمار، والربح محبوكة بشكل جيد بين مزودات الخدمة، والمواقع الإلكترونية بما يضمن دخول الموارد المالية لكل منها إلا أن هذا لا يعيق تقديم ما هو مجاني للجمهور العريض.

وها نحن بالفعل أصبحنا نطلع على كثير من الافكار الجديدة التي بدأت تظهر على الساحة الافتراضية في تعويض عن ساحة الواقع الذي يقع في دائرة الحظر، والعزل، ما دامت الحاجة أم الاختراع.. وهذا ينسجم بدوره مع دائرة الهوايات على مختلف مجالاتها من التصميم، الى الابتكار، والرؤى المختلفة.

ألم يتمنَّ الأدباء، وأصحاب العلم، والفكر فسحة من الوقت ينعزلون خلالها لإنجاز ما تأخر من أعمالهم الفكرية، والعلمية، والأدبية.. بل كم تمنى أغلب الناس تلك العزلة للعودة الى هواياتهم، وممارسة ما يحبون.. فلماذا إذا تصمت الآن تلك الأصوات الداخلية التي كانت تواقة الى مساحة من العزلة مهما كانت ضيقة لتحقيق الأحلام المؤجلة، ليصبح العالم الخارجي خارج أسوار النفس، والمكان هو الحلم المرتجى، والمكان المبتغى، فتنغلق العوالم الداخلية لتنفتح مكانها اللهفة للعودة الى خارج فضاء الانعزال!..

التواصل الاجتماعي الافتراضي ما زال قائماً بل إنه على أشده الآن، وكنا نتطلع اليه بكثير من لهفة اللقاء حتى أصبح بديلاً عن التواصل الواقعي، وكاد يفكك الروابط الأسروية، والاجتماعية.. وها نحن الآن لم نعد نقنع به، وما عدنا بالاندفاع ذاته نحوه.. بل أصبحنا نصبو الى تواصل حقيقي مع الاخر.. لعل هذا سيغير في المستقبل من مبادراتنا الاجتماعية، ويعيدنا الى حرارة لقاءاتنا الماضية التي كادت التكنولوجيا أن تقضي عليها.

بين التواصل والتباعد برزت مسافات جديدة لم نعهدها قبلاً.. لعلنا سنتآلف معها، أو نتمرد عليها.

إضاءات ـ لينـــــــا كيـــــــــــلاني 


طباعة