" العبوا ولا تتعبوا "

الألعاب الإلكترونية التي راجت بشكل قياسي في العقود الأخيرة لعبت أدواراً مختلفة، ومتناقضة في الوقت نفسه بين ما يعود بالفائدة، وما يعود منها بالمضار.. شأنها شأن أي أمر ينطوي على سلبيات، وإيجابيات.. فهي ليست شرّاً كاملاً، ولا نفعاً مطلقاً.

والغريب في أمرها أنها لم تقتصر على الصغار فقط بل إن للكبار منها نصيب أيضاً إذ استحوذ بعضها على شغف الآباء قبل أبنائهم، بل إنهم يتشاركون في اللعب ليروا من ينتصر على الآخر.

أما الأضرار فهي لا تبدأ بالصحية منها، ولا بالسلوك العدواني الذي تبثّه في النفوس، ولا تنتهي عند حالة الإدمان، والعزلة، وإضاعة الوقت.. لكنها بالمقابل تأتي بفوائد لا تقف عند حدود تطوير القدرات الإدراكية، واستخدام المنطق عند اللاعبين من خلال تدريبهم على إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه اللاعب، أو مخارج لمآزق تسحبه اللعبة إليها وهو يتطلع إلى الفوز في نهاية الجولة.. بل إن فوائدها أيضاً تقع في تحسين الذاكرة، وتنسيق الحركة بين اليد والعين.. وهي تحفّز الدماغ صعوداً مع مستوياتها من الأبسط إلى الأصعب والأعلى، والأكثر تحدياً، لكن لا سبيل هنا للامتداح ما دامت الأضرار منها قد فاقت الإيجابيات.

وبعد أن فرضت الجائحة التي باغتت العالم واقعاً جديداً كان لا بدّ من إعادة النظر في أمور كثيرة، ومجالات عديدة تخصّ حياة الناس بما يغيّر من عاداتهم المألوفة، بغاية تجنّب العدوى.. وها هو هذا الواقع يأتي بالأفكار، وبالابتكارات الجديدة بدءاً من المطاعم مثلاً التي تحوّلت إلى مطاعم زجاجية تعزل مرتاديها عن بعضهم البعض بعد أن سادت قاعدة التباعد بين الأشخاص، وأصبح من الضروري التكيّف معها، والتعوّد عليها ربما لفترة ليست بقصيرة، أو على الأقل ليست على المدى المنظور.

وها هي الألعاب الإلكترونية، ولا يكفيها ما حصدته من أرباح خيالية لتحصد المزيد لقاء خدماتها الترفيهية للمحجورين، والمعزولين من الناس ممن ضاقت عليهم الدنيا، ولم يجدوا متنفّساً سوى أن يلعبوا ولا يتعبوا إلى أن يخرجوا مما انغلق عليهم من المكان.. أقول هاهي الأخرى تعود إلى الواجهة من جديد بالجديد من الأفكار التي تغيّر من قواعد اللعبة فلا تعود قائمة على من يربح قتلاً، ودماراً، وانتصاراً على الآخر، بل من يربح ابتكاراً، وحلولاً لمشكلات باتت قائمة، ومستجدة في ظل واقع لم يكن مألوفاً من قبل.. ألعاب بدأت تظهر على الساحة بشكل مختلف تسأل اللاعب في خطواتها عما لديه من إمكانات يمكن الاستفادة منها.. إنه الآن اللعب المفيد الذي ليس بهدف ربح الشركات فقط، وتزجية أوقات الأفراد بما يكسر دائرة الملل بل بما يجعل اللاعب مشاركاً في طرح الأفكار التي يمكن أن تكون فيها إجابات تسهم في الخروج من مشكلات لم تكن فيما سبق من اهتمامات تلك الألعاب الإلكترونية.

وعند هذه العتبة من التغيير في نمط التفكير ما عاد الاهتمام بالهروب من المخلوقات الغريبة بل هو التفاعل مع البيئة الصحية التي ثبت أنها بحاجة لمزيد من الرعاية والتطوير.. ومع زمن انتشار الأوبئة، وكيفية محاصرتها للقضاء عليها.

لقد أصبح لزاماً علينا التفاعل مع البيئة من حولنا بعد ما استجد على ساحتها مادام الذكاء الصناعي وما يقابله من ذكاء بشري قد وقعا في مأزق واحد هو مأزق الأوبئة، والأمراض الفتاكة وكل منهما يدعم الآخر، ويعززه.

تلك الألعاب الإلكترونية كانت من الذكاء بما يكفي لأن تطوّر من نفسها من داخل معمل الأفكار لتأتي بما هو مبتكر وجديد من نماذجها كتلك التي تقوم على الصراع في البحث عن حلول من داخل اللعبة عن مشكلات بيئية، أو صحية، أو اجتماعية بدأت تأخذ حيّزها الآن في هذا العالم المتغيّر.. أما اللاعب الأكثر ذكاءً، وابتكاراً، وتفاعلاً فهو الفائز بلا شك.

ومن جديدها أيضاً ألعاب يتم من خلالها تعلم اللغات الأجنبية، وهي لا تخلو في الوقت نفسه من المتعة، والإثارة، والتشويق، ومادام الكبار قد انضموا إلى ساحة الألعاب الإلكترونية فلعلهم أيضاً يساهمون حسب اختصاصاتهم، واهتماماتهم بطرح رؤى جديدة، وأفكار لم يسبق طرحها.

فالعبوا.. ولا تتعبوا.. مادام في اللعب فوز في سوق الأفكار، والابتكار.

(إضاءات) ـ لينـــــا كيــــــلاني ـ


طباعة