"وللدرس بقية.."

أيام، أو أسابيع، أو شهور قليلة ستنقضي بسرعة، وبعدها نعود الى حياتنا الطبيعية التي اعتدناها.. هكذا كنا نظن في بداية أزمة العالم مع الوباء المستجد الذي داهمنا في غفلة منا.. لكن الدرس الذي بدأ لما ينته بعد.. بل إنه فتح أبواب فصوله ليعلمنا أكثر، وأكثر.. وليقرع أجراس إنذار كثيرة كانت صامتة حتى وقت قريب.. ونحن نستخلص العبر مما أصابنا في محاولة لعزاء لأنفسنا من جهة، ولنتنبه الى ما اقترفناه من الأخطاء التي أوصلتنا الى ما وصلنا اليه ما جعل الهواء ملوثاً بالوباء، من جهة أخرى.

وسواء أكان تعاملنا مع الجائحة التي اجتاحتنا منذ بداياتها سليماً، أم خاطئاً فإن النتيجة واحدة.. وهي أننا مازلنا نتلقى الدرس القاسي الذي فُرض علينا، بينما نبحث عن خلاص لإنهائه، وطمس وجهه القبيح.. وأننا لن نخرج من محنتنا هذه ما لم نتفق على الخطوات التي سنتخذها مستقبلاً.

إلا أن الأكيد هو أننا سنتعلم كيف نتعامل بين بعضنا بعضاً على أسس جديدة ربما فيها التقارب أكثر في المشاعر والأهداف.. بينما التباعد أكبر في الأجساد، والمسافات، إذ قد يستمر التباعد بيننا طويلاً ليصبح سلوكاً نعتمده، ونألفه قبل أن نعود الى طبيعة مجتمعاتنا التي كانت عليها.. فالمسرح مثلاً لا يتفاعل ممثلوه كما يحبون أن يفعلوا ما لم يكن مكتظاً بجمهوره، وكذلك السينما في دورها لا تكون مبهجة ما لم تمتلئ صالاتها أيضاً بالجمهور من محبيها.. ونحن أيضاً نتشاطر عن بعد تجاربنا، ومتاعبنا المتنوعة التي مر بها كل منا في ظروف الجائحة الاستثنائية التي قد تهيئنا لجائحات أخرى ؛ اقتصادية، أو اجتماعية، أو حتى نفسية بعد كل ما قطعناه من مصاعب، ومفاجآت تدعونا في الوقت نفسه لأن نبقى متيقظين، ومستعدين من الآن فصاعداً ربما لأمواج جديدة من الأوبئة التي تفاجئنا كما فعلت سابقها، ولعلنا اكتسبنا من خلالها الخبرة، والتجربة للوقوف في وجه ما سيباغتنا من جديد من أوبئة، وأمراض سارية معدية. ولتصبح الاجراءات الوقائية والاحترازية القائمة الآن سلوكاً عادياً نعتاده، ونمارسه دون أن نناقشه.

إلا أن التأثير الأهم والذي سيكشف عن نفسه بوضوح تام بعد وقت قريب هو أننا سنضطر لأن نتحول بشكل شبه كامل الى الحياة الرقمية، والتي نمارسها من خلال مختلف الأجهزة، والتطبيقات.. أما الأتمتة، وعمل الآلة دون تدخل بشري بفضل الأجهزة الذكية، وبرمجياتها فقد أصبحنا أكثر تقبلاً لها، وقرباً منها متجاوزين بها عصر المكننة المترافقة بالعنصر البشري.

وعلى الرغم من أن مسار السلبيات فيما حصل واسع وممتد، فلا يزال هناك بعض نقاط الضوء، ولعل من الأوجه الإيجابية التي خرجنا بها هي العودة الى الممارسات الثقافية بما يثري ملكاتنا العقلية بعد الذي أصبح متاحاً لنا أن نطلع عليه من مواقع إلكترونية ثقافية على شبكة المعلومات لم تكن متوفرة قبل الجائحة.. ولو أن ردود الأفعال من الناس حيالها, أو استجابتهم لها تختلف بين من يستغلها بذكاء، ومن لا يلقي لها بالاً على أهميتها.

فالدرس ما زال مستمراً، وما علينا إلا أن نتعايش مع أوضاع قد تطول، وباحتمال أقل قد تقصر لنستثمر ما هو إيجابي من انعكاساتها، فهي على الأرجح قد شجعت على مناقشة عوامل الفشل، والنجاح في المجال الطبي، والصحي، وكذلك التعليمي، والصناعي، والبيئي، والاقتصادي، وليظهر على الساحة بقوة ما اسمه (الاقتصاد الحيوي) الفرع المتطور من العلوم التي تدمج ما بين الاقتصاد والبيولوجيا بتأثيراتها البيئية حيث لا يجوز أن تتجاوز المنفعة الاقتصادية على حساب المجتمع الحيوي، والنظام البيئي الذي ينتظمه، حتى لا يختل التوازن، ويحل الضرر.

هذا الدرس، الذي لم يمر بسهولة، جعلنا نعثر على معانٍ جديدة للحياة، كما فتح أعيننا واسعة على ممارسات كان علينا أن نناقشها قبل أن نقع فريستها، ومنها الاندفاع نحو استغلال موارد الأرض بشكل جائر، وقد رُصدت له الميزانيات الهائلة قبل الالتفات الى صحة الإنسان، ونقاء البيئة التي يجب أن يعيش فيها.

الدرس يصبح دروساً، والإنسان بطبعه يختزن التجربة، ويقبل التحدي، ولا يُقر بأي هزيمة.. فلننتظر حتى يأتينا الجواب الحاسم.. ولو طال الانتظار.

(إضاءات)  ـ لينــــــا كيـــــــــلاني ـ


طباعة