"الطريق إلى السعادة"

تتزايد نسبة الاكتئاب بين سكان العالم اليوم، ولا يهم إن كانوا من أهل الدول المتقدمة التي تضمن الرفاهية لأبنائها، أو الأخرى التي تعاني من مشاكل فوق قدرة احتمال مواطنيها.. فالنتيجة واحدة، وحالات الاكتئاب تتنامى، وتتعمق عند كثير من المصابين بها ولو لم يعترفوا بمعاناتهم، أو أنهم لم يدركوا أنه الاكتئاب.. أما الأوضاع الطارئة والمستجدة فقد زادت من نسبة هذا المرض الخفي نتيجة عزلة الأفراد، وربما بابتعادهم عن بعضهم بعضاً تجنباً للإصابة بعدوى الوباء، وضائقاتهم الاقتصادية، وأزماتهم الاجتماعية.

وأصبح المرء يبحث عن أي مصدر للتفاؤل، والأمل، بل هو البحث عن السعادة المفقودة في أغلب الأوقات نتيجة ضغوط الحياة، وما تأتي به من المفاجآت التي تربك، ولا تسعف، وتسرق الضحكة، والبسمة.

إلا أن علماء الاجتماع، وعلماء النفس لا تتوقف دراساتهم، وأبحاثهم وكذلك طرح نظرياتهم حول أسباب السعادة، والأبواب التي توصل اليها، ومقدار ديمومتها، في محاولة للعثور على الجواب لسؤال يتردد باستمرار: كيف نحصل على السعادة؟ وهل هي تأتي مع الحصول على المال، أو الشهرة، أو المنصب والنفود، أم هي في تحقيق الغايات، والأحلام؟.. ليصل أحد أساتذة علم النفس الى نتيجة مفادها أن: الطريق إلى السعادة ليس باختيار أن تكون سعيداً، بل أن تجد معنى للحياة ذاتها. أما كيف سيتحقق ذلك فإن هذا له أبحاث، ودراسات ميدانية للعثور على المفتاح الذي يفتح ذاك الباب الخفي نحو الغاية المنشودة.

لكن السعادة بمفهومها العام لا تنحصر في جانب واحد من جوانب الحياة، أو في حالة واحدة بل إنها انبثاقات صغيرة تتشكل في النفس بدوافع مختلفة قد يكون الحب واحداً منها، أو كسب المال، أو إنجاب الأبناء، أو النجاح في الحياة العملية، وغيرها كثير من الأسباب.. إنها وجهات نظر تختلف بين فرد وآخر.. إلا أن الدراسات، والأبحاث والتي يشترك فيها طلاب الجامعات في هذا المجال أجمعت على أن فكرة (العطاء) بشكل عام تشكل السبب الأكبر في العثور على الجواب، أو أنها الخطوة الأهم في طريق هذا البحث.

إنه العطاء إذاً دون توقع المقابل كما هو الحب غير المشروط الذي لا ينتظر أخذاً لأنه خالص لذاته.. أما العطاء نفسه فهو ليس بالضرورة مما ينحصر بالمادة رغم ما تجلبه من فرح لمن يحصل عليها، إلا أن عطاء النفس هو أغلى، وأثمن، وأكثر وقعاً، وتأثيراً لدى الطرف الآخر.

لكنها المعادلة الصعبة التي قد لا يقوى على تحقيقها إلا قليل من الناس، وهم مَنْ يستطيعون أن يضبطوا طرفيها: بين فكرة التخلي عن الشيء دون ندم، أو شعور بالأسف، وفي تجاوز للأنانية الفردية، وبين هدف الحصول على ذلك الإحساس من الرضى العميق، والفرح الغامض الذي يتسلل الى النفس بالمقابل كمكافأة معنوية.. إلا أن لهذه المكافأة مساراً حيوياً آخر في الجسم البشري إذ تؤدي الى إفراز هرمون السعادة هذا الذي نحلم أن يتشكل في أجسادنا لنكون أكثر رضاً بواقعنا.

ومن هنا كان للأعمال الخيرية، والأخرى التطوعية تأثيراتها الإيجابية على الصحة النفسية، وحتى كعلاج أحياناً من حالات الاكتئاب، أو الإحساس باللاجدوى، والضياع، والحزن، والعزلة.. وهذه الأعمال غالباً ما تكثر في أوقات الأزمات، والمِحن، والكوارث التي تمر بها المجتمعات عندما يتنادى أبناؤها الى تقديم يد العون الى بعضهم بعضاً سواء أكان العون على شكل مساعدات مادية، أو أخرى اجتماعية.

إنه جانب من العلاقات الإنسانية التي تربط بين البشر، وتجعل الحياة أكثر اكتمالاً، وتقبلاً لها، واستمتاعاً بها.. فما أحوجنا اليوم وسط اضطرابات العالم الى طريق يصل بنا الى مقدار من السعادة مهما كان ضئيلاً إلا أننا نتطلع اليه، وننشده ليكون لنا دواءً، وعزاءً.

وإذا كنا نتساءل: أين تذهب الأحلام ما دامت ليست حقيقة؟ فإننا نقول: إنها تصبح حقيقة إذا ما عثرنا على الدرب الذي يوصل إليها.

(إضاءات) ـ لينــــــا كيــــــــلاني ـ

 

 

 

 


طباعة