تحديات البحث العلمي في جامعة البعث ارتفاع التكاليف ونقص التجهيزات وتدني قيم التعويضات والمحفزات وغياب مقومات البحث

الثورة أون لاين – تحقيق سهيلة إسماعيل:

مضى أكثر من 60 عاماً على ولادة خجولة لما يسمى بالبحث العلمي في سورية عبر "المجلس الأعلى للعلوم", الذي تجلى بعقد أسبوع العلم سنوياً في إحدى الجامعات, ومنح جائزة الباسل بقيمة 100 ألف ليرة للبحث العلمي, وحتى أسبوع العلم تم اختصاره بإقامة ندوات تخصصية حتى إحداث مديرية البحث العلمي في وزارة التعليم عام 1966, ومهمتها التخطيط والتنسيق بين الجامعات ومراكز البحوث, وقد شهدت بداية السبعينيات ولادة الدراسات العليا ( دبلوم- ماجستير – دكتوراه), كما تضمن قانون تنظيم الجامعات في مادته الثانية أن يقترح مجلس التعليم العالي السياسات العامة للبحوث العلمية وتوجيهها نحو معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية, ولا ننسى المراسيم التي صدرت لتشجيع البحث العلمي عامي 1992- 1994.
والآن وفي ظل الظروف الحالية ثمة أسئلة كثيرة سنحاول طرحها في هذا التحقيق الصحفي على المعنيين بالبحث العلمي في جامعة البعث التي ستكون نموذجاً, ورأي الوزارة خاصة بعد أن تم تعديل اسمها إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي .
غياب مقومات البحث العلمي
قال الدكتور نزيه بدور الأستاذ في كلية الهندسة المدنية أنه من أهم معوقات البحث العلمي ضعف الإمكانيات المادية لأغلب الراغبين بإجراء بحث علمي, ووجود أشخاص غير مؤهلين من الناحية العلمية في المخابر ومراكز البحوث, بالإضافة إلى عدم إجراء صيانة للأجهزة التي بدأ بالتآكل بسبب عمرها الزمني وعدم قدرة المؤسسة (الجامعة) على صيانتها أو استبدالها بسبب الحصار المفروض على البلد, كما أن آلية نشر الأبحاث وتقييمها لهما أكبر الأثر على نوعيتها وتخلفها .
في حين أكد أحد الدكاترة في جامعة البعث مع إصراره على عدم ذكر اسمه أنه ليس هناك بحث علمي وأن ما يقوم به الطلبة هو مجرد إجراء لنيل شهادة الدكتوراه أو الماجستير, وذلك لعدم وجود مقومات البحث العلمي في الجامعة, ولعدم وجود محفزات تشجيعية لمن يودون إجراء أبحاث علمية.
مع صعوبات طلبة الماجستير والدكتوراه
توجهنا بالسؤال لأكثر من طالب ماجستير ومن كليات مختلفة وكان لهم الآراء التالية خالد إدريس طالب ماجستير في كلية الزراعة قال: تتلخص معوقات إكمال البحث العلمي بالنسبة للطلاب الراغبين بإجرائه بعدة نقاط منها، على سبيل المثال لا الحصر، الكلفة المادية المرتفعة وما يتطلبه إجراء بحث علمي حقيقي, بالإضافة لأجور التنقل بين مكان السكن والجامعة, وعدم ضمان نشر البحث من قبل الجامعة أو الوزارة, كما أن الطالب الذي يكون موظفاً، وبدل أن تشجعه الجهة التابع لها في إجراء بحث علمي يعود بالنفع على القطاع العام، تعمد إلى محاسبته على غيابه والحسم من مرتبه ما يؤدي إلى عزوف الكثيرين عن الموضوع, ومكتبة الجامعة لا تكفي للحصول على المراجع العربية والأجنبية, هذا عدا التعقيدات في الحصول على الموافقات عند رغبة الطالب سواء في الدراسات العليا أو الدكتوراه في الحصول على معلومات تخدم بحثه .
لا يوجد جهة تتبنى الأبحاث
وأكدت طالبة أخرى أجرت بحثا عن نوعيات التربة أنها تعذبت كثيراً عند إجراء بحثها وسافرت إلى منطقة القلمون في ريف دمشق للحصول على عينات, وتحملت الكلفة المادية المرتفعة, وأضافت بأنها حصلت على مبلغ بسيط لا يساوي الجهد والأعباء المادية التي تكبدتها، وختمت حديثها قائلة: وفي نهاية المطاف وبعد بذل جهد كبير لا يوجد جهة تتبنى ما نقوم به من أبحاث ومع أنه يمكن الاستفادة منها في أكثر من مجال.
ميزانية البحث العلمي
توجهنا إلى مديرية البحث العلمي والدراسات العليا في الجامعة وفي جعبتنا عدد من الأسئلة طرحناها على رئيس الدائرة الدكتور حسن المقدم, تخص الميزانية المخصصة للبحث العلمي, والتسهيلات التي تقدمها الجامعة لإجراء البحوث, وكيفية تقييم تلك الأبحاث, وفي النهاية مصيرها ...
فرد الدكتور المُقدم قائلاً: هناك ميزانية للبحث العلمي تتمثل بوجود صندوق دعم البحث العلمي والتطوير التقاني, وهو صندوق سنوي تُحدد له ميزانية معينة لدعم مشاريع أبحاث الدراسات العليا, حيث يتم استقبال طلبات الدعم المالي بالتنسيق مع مديرية البحث العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن طريق مديرية البحث العلمي في الجامعة، شريطة تحقيق معايير محددة أبرزها أن يكون البحث ذو قيمة علمية مُضافة، وله نتائج تطبيقية، ويساهم في حل مشكلة معينة, وله جدوى اقتصادية يمكن الاستفادة منه لدى إحدى الجهات العامة أو الخاصة، وكما يقوم الصندوق بتمويل المشاريع البحثية الهادفة إلى حل مشكلات فنية تواجهها المؤسسات والشركات لتطوير منتجاتها وخدماتها وتحسين قدراتها التنافسية بالتعاون مع الجامعات السورية والهيئات والمراكز البحثية.
إضافة إلى دعم توظيف العلوم والمعارف في البحوث العلمية لتطوير التكنولوجيا وتوجيهها لحل المشكلات وتسويق البحوث العلمية, مع التأكيد على وجو[Forwarded from غدير]
د لجنة علمية مرجعية للصندوق تقوم بدراسة الأبحاث وتقييمها لتحديد مقدار الدعم المالي, وإضافة للدعم المقدم من الصندوق تقوم الجهة المستفيدة من البحث بتقديم الدعم المادي, أو تأمين التجهيزات والمخابر الضرورية لتنفيذ البحث.
مصدر دعم آخر
وهناك مصدر دعم آخر, وهو من الهيئة العليا للبحث العلمي التي تمول الأبحاث العلمية للباحثين الذين يطرحون من خلالها حلولا لمشاكل واقعية لدى المؤسسات العامة وتساهم في تطويرها, كما يتم منح مكافآت للنشر العلمي الداخلي أو الخارجي, حيث يُعطى صاحب البحث مبلغ (35000) ألف ليرة للنشر ضمن المجلات العلمية المعتمدة من الوزارة, ومبلغ (40000) ألف ليرة للنشر في مجلات محكمة ومفهرسة وفق قاعدة بيانات محددة.
وأخيرا ذكر د. حسن أن أعداد طلاب الدراسات العليا في جامعة البعث للعام الدراسي الحالي يبلغ 2904 طالب دراسات موزعين على الكليات بين طلاب دبلوم تأهيل تربوي ودبلوم تخصص وماجستير ودكتوراه .
تأثير الحرب على البحث العلمي
محطتنا الأخيرة في جامعة البعث كانت مع نائب رئيس الجامعة لشؤون البحث العلمي الدكتور ناصر سعد الدين الذي لم يختلف كلامه عن كلام رئيس الدائرة، حيث ردَّ على سؤالنا بخصوص كيفية اختيار موضوعات البحث العلمي ومن هي الفئة التي تجري الأبحاث قائلاً: يوجد في الأقسام لكل كلية محاور بحثية يتم وضعها كل عام من قبل الهيئة العامة للقسم بما يتناسب مع اختصاصات أعضاء الهيئة التدريسية والرؤية العلمية، وخاصة الجامعة والمجتمع, ويدفع مَن يقوم بإجراء البحث رسوماً محددة لنشر بحثه في مجلة جامعة البعث, حيث تنشر المجلة جميع الأبحاث لأعضاء الهيئة وطلاب الدراسات العليا مجاناً من أجل الترفع والدفاع عن أطروحاتهم.
أما الفئة التي تقوم بإجراء الأبحاث العلمية فهم أعضاء الهيئة التدريسية والتعليمية والفنية وطلاب الدراسات العليا (دكتوراه – ماجستير), ويُطلب من الجميع تقديم أبحاث إما للحصول على مرتبة علمية أعلى أو من متطلبات الدفاع عن الدرجة العلمية العليا.
ويتم النشر في مجلة الجامعة أو المجلات العربية والعالمية المعتمدة أصولاً، وتتحمل الجامعة نفقات البحث العلمي اللازمة لإنجاز الأبحاث وفق قرار مجلس الجامعة 35 المتخذ بالجلسة رقم 1 عام 2012, ما لم تكن هذه الأبحاث مُدرجة ضمن خطة البحث العلمي للكليات والجامعة، ومؤخراً رُفع اقتراح لرفع قيمة النفقات إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر.
وعن مصير الأبحاث العلمية قال د. سعد الدين: تقسم الأبحاث المقدمة إلى مجلس البحث العلمي إلى عدة أقسام منها النظري – التوثيقي- ومنها العملي التطبيقي والنظري-, إذ تُقدم الأبحاث النظرية التوثيقية للمختصين في مجالات التربية والآداب والحقوق والاقتصاد والسياحة، أما الأبحاث التطبيقية فهي تخدم الجانب الطبي والصيدلاني وطب الأسنان والهندسة، (ميكانيك – كهرباء- بترول- كيمياء- غذائية – نسيجية – مدنية بكل أقسامها وعمارة وزراعة)، وهذه الأبحاث تهدف لخدمة المجتمع والقطاع الصناعي والزراعي, ومعظمها يتم بالتعاون مع بعض الجهات الحكومية في البلد, ولتحقيق الفائدة منها تتم أحيانا المشاركة برسائل الدراسات العليا مع بعض المختصين في تلك الجهات, وذلك لتفعيل دور المؤسسات المجتمعية وربطها مع مسار البحث العلمي في مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الكثير من المجالات .
ورداً على سؤال بخصوص اعتماد الأبحاث العلمية أضاف: تم اعتماد معظم أبحاث النانو كتكنولوجيا حديثة في بعض مقررات الهندسة ما سيساهم في تطور المصادر العلمية للمرحلة الجامعية، كما تم وضع خطط مستقبلية لاستخدام مخبر الاتصالات في كلية الهمك لاستثماره بالشكل الأفضل, وتعميق الجانب العملي للطلاب في السنتين الرابعة والخامسة (هندسة اتصالات).
وعن الميزانية المالية المخصصة للبحث العلمي ذكر د. ناصر أنه يوجد ميزانية مالية تتوزع وفق عدة أجزاء منها للأجهزة العلمية الحديثة, وجزء لإصلاح الأجهزة العلمية وجزء آخر لتمويل المواد البحثية, وجزء للكتب والمراجع العلمية والدوريات, وهناك جزء للاختراعات والأجهزة التصميمية المبتكرة.
وأخيراً تحدث د. سعد الدين عن تأثير الحرب على مسير البحث العلمي في الجامعة حيث جعل الحصار الظالم على سورية من إمكانية إيجاد قطع التبديل للأجهزة العلمية صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة, بالإضافة إلى أن غلاء المواد الذي أثر سلباً على الميزانية المخصصة للبحث العلمي, وكذلك هناك صعوبة في تأمين الدوريات والنشرات العلمية, حيث أن الدورات المجانية الموجودة لا تكفي ولا تلبي الغرض .
تحديات أمام الجامعات
وأخيراً
أخيراً, يمكن أن نقول بوجود تحديات كبيرة أمام الجامعات السورية, تتجلى بإثبات قدرتها على تقديم أبحاث تتماشى مع المرحلة التي تعيشها سورية, وحاجتها الماسة إلى أبحاث ذات جدوى في مرحلة إعادة الإعمار لترفد الجهات المختصة بها, مع يقيننا الأكيد بتوفر الكادر البشري المؤهل من طلبة خريجين وطلبة دراسات عليا ودكتوراه, شريطة أن توفر لهم الجامعات الأرضية المناسبة لإجر[Forwarded from غدير]
اء أبحاثهم العلمية المناسبة, ومن ضمنها أو في مقدمتها الدعم المادي وتبنّي الأبحاث والابتعاد عن الروتين والبيروقراطية في الحصول على الموافقات المطلوبة, وهنا نجد تناقضا حاداً بين توصيات القيادة بمنح البحث العلمي أهمية كبيرة وبين الواقع, وتحقيق التكامل بين خطط البحث العلمي في الجامعات مع الخطط العامة للدولة, واستيعاب التغييرات المحيطة والتطورات العلمية, وكذلك تحقيق التوازن الكمي والنوعي بين مخرجات العملية البحثية وبين الحاجة إليها في خطط الدولة, لأن التطور العلمي المتسارع على المستوى العالمي لن ينتظرنا ونحن مازلنا نضع الخطط تلو الأخرى على الورق لتبقى حبيسة أدراج مغلقة....!!!


طباعة