حتى لا نضاعف الخسارة بعد الكارثة... أشجار الزيتون تنمو من جديد ولا بد من استصلاح التربة وحمايتها من الانجراف

الثورة أون لاين - تحقيق ربا أحمد:

كيف ستتعامل الجهات المختصة مع التربة بعد الحرائق في الحراج والأراضي الزراعية؟ وهل الاستصلاح من جديد حل؟ هل التربة ما زالت صالحة للزراعة؟ وهل بقايا الأشجار الموجودة كفيلة بترميم نفسها، أم يجب الزراعة من جديد والانطلاق من الصفر؟ أسئلة يطرحها الفلاح المتضرر اليوم الذي يأمل بالبدء بزراعة التبغ والبقوليات والنباتات العطرية كحل إسعافي لتأمين لقمة العيش ريثما ينبت الزيتون من جديد بعد عدة أعوام وتعود رئتنا الخضراء العريقة.
وحول ذلك أفادنا محمود داوود رئيس محطة بحوث بيت كمونة للأراضي التابع لمركز البحوث الزراعية بطرطوس إن العامل الأساسي لجودة وخصوبة التربة قبل الحرائق هي المواد العضوية التي تتحلل وتعطي الأحماض العضوية التي تنشط الوسط الحيوي بالعناصر المعدنية، ولكن باحتراق هذه الغابات احترقت المادة العضوية بالمنطقة السطحية للتربة، فتأثر الوسط الحيوي، وبالتالي باتت التربة معرضة للانجراف المائي نتيجة التعرية، ونحن بمنطقة استقرار أولى أي تتجاوز كمية الأمطار ٨٥٠ مل، لذا يجب إجراء صيانة للأراضي بالسرعة القصوى بتحويلها إلى مدرجات وزراعتها بالأشجار الحراجية أو الاستعاضة عن المدرجات بخطوط نار أملاً بإعادة البراعم الخضراء النائمة تحت التربة لتعود من جديد.
وعلى الأرجح سيكون هناك سرعة في النمو بسبب الرماد الناتج عن الحرق، وهي عناصر معدنية ولكن يبقى المطر هو العامل الأساسي لترمم الغابة نفسها.
وعن شجرة الزيتون أشار الباحث داوود إلى أن الأمر يعتمد على نسبة الاحتراق، فالشجرة لا تُقلع وإنما يُزال اللحاء المتضرر فقط، وتبقى التربة فيها أقل ضرراً لتباعد الأشجار عن بعضها فتكون درجة الحرارة المؤذية أقل قياساً بتربة الغابة الحراجية، وما علينا سوى حراثة الأراضي وسقايتها وتسميدها من جديد، معتبراً أن تركها لمرور فصلي الشتاء والربيع كون البراعم الحية الخضرية الموجدة تعود للنمو من جديد ومن ثم التعامل معها طريقة أنجح بترميمها، داعياً إلى عدم قلع أشجار الزيتون الموجودة كونها أصناف قديمة اندثرت وهي متأقلمة مع البيئة الموجودة فيها لأن الأصناف الجديدة مغايرة تماماً لما هو موجود اليوم.
رئيس دائرة الحراج في مديرية زراعة طرطوس حسن ناصيف أشار إلى أن النباتات الطبيعية في الحراج كالسنديان والبلوط يجدد نفسه بشكل طبيعي ولكن ستتم إزالة الأجزاء المحروقة ورفع كثافة الغابات من خلال زراعتها من جديد.
ولفت ناصيف إلى أن أكثر مواقع الحراج لا يمكن استصلاحها لأن ذلك يؤدي لتدهور التربة إن كانت شديدة الانحدار.
وإن العمل جارٍ اليوم على استصلاح ما يقارب ١٢ دونماً فقط، ولكن الأهم هو أن الدائرة بدأت بشق خطوط النار وتوسيع وتأهيل الموجود عن طريق آليات تابعة للقطاع العام، بإشراف رئيس الشعبة الحراجية في المنطقة والمهندس الماسح والمخفر، مشيراً إلى أن الخطة تشمل ٢٠٠ - ٣٠٠ كم وهي مفتوحة وفقاً للضرورة.
إحياء الأراضي المحروقة
وعند سؤال الخبير والباحث المهندس الزراعي المتقاعد نظير عنجاري حول الطريقة والكيفية التي يجب أن يتبعها الفلاحون في إحياء الأراضي والأشجار التي تعرضت للحرائق والدور الذي يجب أن تقوم به الوحدات الإرشادية في هذا المجال؟.
أجاب قائلاً: "قبل أن أبدأ أريد أن أشير إلى أمر سلبي بهذا المجال يدعو إليه بعض المعنيين في الوزارة وهو من ضمن اقتراحاتهم أن تطعم أشجار الزيتون التي تعرضت للحرق عن طريق القلم وهذه مغالطة كبيرة، لأن التطعيم يلزمه لحاء غض وفتي وعصارته نشطة وكلمة لحاء يعني القشر الخارجي لغصن الزيتون، ولو فرضاً لم ينجح تطعيم أحد الأشجار، عند ذلك فإنه لا يمكن إعادة التطعيم لهذه الشجرة قبل مضي عام كامل بشرط ترك نموات عديدة حول وبالقرب من منطقة قطع الشجرة وبدون ذلك لا ينفصل اللحاء، فكيف ينفصل بحالة الأشجار التي تعرضت للحرائق".
وأوضح عنجاري أن طريقة التعامل مع الأشجار التي تعرضت للحرق تكون أولاً بتقييم شدة الحريق، وكلما كان الحريق قوياً كلما لزم قطع الأشجار إلى مسافة قريبة للأرض.
وإذا كان الحريق متوسط الشدة أو يصعب معرفة مدى تأثيره على الأشجار بهذه الحالة يجب الانتظار حوالي عشرين يوماً إلى شهر حسب حرارة الطقس بعد الحريق وبعد ذلك يجري قص أفرع الأشجار اعتباراً من الأعلى وباتجاه الأسفل حتى نصل إلى الأفرع التي ما زالت خضراء، وعندما نتأكد من ذلك نقوم بقص جميع الأفرع اليابسة ونقص قليلاً من الأفرع الخضراء كي نضمن نجاح العمل وننتظر نمو أفرعها من جديد، وإذا كانت هناك إمكانية لسقاية الأشجار بهذا الوضع فإنها تنمو بسرعة في ظروف الدفء الحالية وإلا ننتظر رحمة رب العالمين بهطول الأمطار.
أما إذا تأكدنا أن الحريق كان قوياً جداً فإننا نقص الأشجار على مستوى سطح التربة وستنمو أفرع الشجرة من جديد وفي العام التالي نختار عدة أفرع هي الأفضل بالنمو.
طبعاً ولاخوف من فشل هذا العمل لأن نمو الأفرع سيكون قوياً عند قطع الشجرة، والسبب أن لها مجموع جذري قوي وهذا المجموع الجذري قادر على تجديد الشجرة. 

أما المطلوب من وزارة الزراعة ووحداتها الإرشادية فهو أن يقوموا بحملة واسعة لتوعية المزارعين وإقامة ندوات ومحاضرات فعلية وليست على الورق ولكي نضمن أن تكون فعلية يجب تنفيذها بالقرى وبالحقول وليس بالمراكز الثقافية أو المدارس، ومن أجل ضمان نجاح هذه الندوات يجب أن تكون هناك دعوات خطية للمزارعين وبمعرفة الجهات الأخرى من الحزب واتحاد الفلاحين والإعلام وبعد إقامة هذه الندوات يبدأ التنفيذ الفعلي وعليهم إلزام المزارعين بالتنفيذ وبإشرافهم.
ودعا عنجاري إلى ضرورة تفعيل دور الوحدات الإرشادية التابعة لوزارة الزراعة وإشراكها في تحمل المسؤولية عن سلامة الغابات والأشجار الحراجية، وإلحاق عناصر الضابطة الحراجية بالوحدات الإرشادية بعد تغيير اسم ومهام الوحدة الإرشادية لتكون هي ممثلة وزارة الزراعة في المنطقة التي تتواجد فيها، مع الإبقاء على قانون الحراج.
بحيث تستطيع الوحدة الإرشادية إلزام الفلاحين بخدمة أراضيهم وتنظيفها وفلاحتها، ومتابعة من يهمل أرضه ويتركها بدون استثمار.
شجرة الزيتون لا تموت
ويورد لنا أحد المختصين بالحراج معلومات عن كيفية التعامل مع حرائق الأشجار وخاصة الزيتون والصنوبر فيقول: أكبر خطأ هو قطع الأشجار التي تحترق حتى لو يبست الشجرة بالكامل لأنها تعود بعد عامين وتفرع من أسفل جذعها، وبعد فترة نقلم الجزء اليابس بالكامل، وأهم خطوة بعد الحريق سقاية الشجر لفترة أسبوع لتبريد الجذر.
فمن المعروف أن شجرة الزيتون تمتاز بطول العمر وقدرتها على المواجهة والتغلب على الصعوبات والأضرار التي تحدث في المحيط القريب منها، مثال من طبيعة الحرائق، وسنوات الجفاف المتتالية... بالإضافة إلى الأضرار التي يسببها البشر مثل تقليم الأغصان لاستخدامها كمواد خام أو لجني ثمار شجرة الزيتون.
وقد يتساءل البعض كيف يمكن لشجرة الزيتون الصمود مع هذه الصعوبات؟ ببساطة شجرة الزيتون لديها القدرة على تحفيز براعم نائمة أو خاملة حيث تتجدد وتصبح أغصاناً جديدة وتعطي المجال وتساعد الشجرة على تجديد نفسها من جديد من الأضرار التي لحقت بها.


طباعة