الخبز دون ازدحام شديد.. فلماذا الكذب؟

 



آلمني أن أصغي قبل يومين، أن الازدحام على الخبز في دمشق على حاله وهو شديد، فأنا من كتب في هذا الحيّز قبل أسبوعين، ان انفراجاً كبيراً قد تحقق على صعيد الحصول على ربطات الخبز الحكومية بسعر ١٠٠ ليرة للربطة، استنادا الى متابعة ميدانية، إذ بت أحصل من المخبز الآلي في المزة على حصتي خلال ثلث ساعة بدلاً من ساعتين ونصف.. وثلاث ساعات عندما اشتدت الأزمة قبل شهرين. وقمت بجولة أمس على المخبز ذاته ومخبزين مهمين في المزة وهي منطقة سكنية ذات كثافة سكانية عالية، فوجدت أن الازدحام على الفرن الآلي (عادي)، وحصلت على الخبز خلال ربع ساعة وبرقيّ لم يعرفه هذا الفرن منذ ٤٥ سنة، إذ غابت الفوضى بعد افتتاح كوة خاصة برافضي الدور وهم من كان يتسبب بالصراخ والتدافع وعرقلة البيع بسلاسة.
الكوة الثالثة شكلت خشبة خلاص، اغتنت بالاهتداء إلى بيع من يحق لهم ربطة واحدة في اليوم، ربطتان كل يومين، ما خفف الازدحام، وذكرني بأيام السبعينات والثمانينات والتسعينات، فالحصول على الخبز - تاريخياً - في سورية كان ولا يزال يتم وسط ازدحام، وما رأيته من ازدحام في فرن الخبز الموحد في نزلة جامع الأكرم أمس أو في فرن الشيخ سعد في المزة أيضاً، كان عادياً مثل كل السنوات التي مرت على دخول هذين الفرنين الإنتاج، وسألت من خرجوا وهم يحملون خبزاً، عن زمن الانتظار فأجابوا ما بين ساعة ونصف وساعتين.. وقال لي أحد الشبان. (لو أن المكلفين بتنظيم الدور موجودون لمشي الدور بسرعة أكبر) علماً أن مدة الانتظار للحصول على الخبز أثناء أزمة الشهرين الماضيين وازدحامها - الطاحن - من هذين المخبرين كان يتراوح ما بين ٦-٨ ساعات.

إذن غاب الازدحام المقيت عن الخبز (وكذلك عن البنزين)، وبات الازدحام عادياً وقد تعايشنا معه منذ عقود، فلماذا يكذب بعضهم ويدعون أنهم شهود عيان ولمصلحة من هذا الكذب والافتراء والسخرية والشماتة؟ ثمة باعة ازدادوا وقاحة، أثناء الأزمة الحادة ورفعوا سعر الربطة إلى ٧٥٠ ليرة، وأبدوا شراسة في التعامل مع الناس، لكنهم الآن رجعوا يستجدون الخائف من الازدحام ولكن بسعر مرتفع (٥٠٠ ليرة عند الفرن الآلي و٧٥٠ ليرة عند أفران الخبز الموحد)، وهؤلاء الباعة يستفيدون مباشرة من الكذب، لكن تأثير الكذب أبعد من ذلك بكثير ومن يرددون مثل هذا الكلام عن غير وعي لأبعاده نقول لهم انتبهوا فأنتم تسيئون لحياتكم وبلدكم وخبزكم وحياتكم المعيشية، فالسير الى الأمام، لا يتم بهذه الأساليب، بل بالعمل الجاد والمتابعة الميدانية الموضوعية ولا سيما الإعلامية وعدم صب الزيت على النار. وهنا يكمن الدور المهم للإعلام التنموي، فالبلد إلى الأمام ويكفي أن تتقصوا وأن تتابعوا عجلة البناء.
لقد زرت العديد من دول العالم المتقدمة صناعياً وحضارياً ورأيت فيها ازدحاماً على الأفران (والباصات وقطارات الأنفاق والقطارات العادية، حتى بسطات بيع الخضار والفواكه واللحوم والأسماك والأجبان على الأرصفة) لكنه في كل تلك الدول ازدحام جميل ولطيف، يصطف الناس وراء بعضهم وفي يد كل رجل أو امرأة كتاب أو جريدة أو موبايل.. ويمرون بسلاسة ويحصلون بسرعة على ما يريدون.
يجب أن لا تهمل الشركة العامة للمخابز البعد السكاني فالأفران ذاتها تقريباً منذ أربعين سنة ولعدد من الناس تضاعف عشر مرات على الأقل وعليها إنجاز بنى تحتية تجبر الناس على الاصطفاف بالدور في كل مخبز على حدة، وأن تفتتح كوة إضافية وأن توفر لها أجهزة لقراءة البطاقات، فالخبز وإلى جانب أنه غذاء هو قضية سياسية كبرى. إن جزءاً مهماً من مجد سورية الحضارة والتقدم، قام على توفير الخبز في العصر الحديث لكل الناس بسلاسة وسعر رحيم.

أروقة محلية - ميشيل خياط

 


طباعة