وجود لغوي

ثورة اون لاين - عقبة زيدان:

"ذاك التي يتكلم لا يعرف، وذاك الذي يعرف لا يتكلم"، هذا ما تقوله الحكمة التاوية، ومع ذلك فأنا أتكلم فقط لكي أعرف. هناك كلام لا ينتهي يجب أن يقال، لأنني لا أعرف. وهذا في حالتي – ككائن – حاجة ماسة لكي أرسم خيالاتي بكلمات، ربما لن توصلني إلا إلى مزيد من الغموض؛ غموض مميت.
ليست هنالك حكمة خالصة، وإلا لانكشف غطاء مغزى الوجود. هناك نتف من الكلمات تشير إلى شيء وعكسه. فمن الحكمة أن تستسلم لتيار جارف يقودك وأنت في قاربك الصغير إلى شلال شاهق وتغني أغنية الحياة، ومن الحكمة أيضاً أن تنبذ الرخاء الذي تعيش فيه وتغني أغنية الموت. في كلا الحالتين أن تفكر يعني أنك موجود. ووجودك رهن بتفكيرك. وأنت تفكر هنا من خلال اللغة، اللغة فقط. وجودك كله وجود لغوي. الإنسان كائن لغوي. بورخيس الأعمى يكتب عن نفسه عندما كان المفتش الرئيس والحارس لأكثر من ثمانمائة ألف كتاب في المكتبة الوطنية في بوينس آيرس:
"بطيئاً في عتمتي
أكتشف خيوط الغسق بعصاي المرتجفة،
أنا الذي تخيل أن الفردوس هو الفضاء
القابع تحت عنوان مكتبة".
صورة لكائن أعمى يجوس في العتمة، ولا فردوس لديه سوى الكتب. إنها الكلمات التي يرى فيها بورخيس وجوده، فردوسه المجازي. بورخيس عبارة عن حشد من الكلمات المتحركة، واللغة تتغير، تتطور وتخلق كائناتها، وبينهم – بالطبع – بورخيس.