فن هدر الوقت

ثورة أون لاين - منال السماك:
إلى جلسة عبثية لإضاعة الوقت في لهو و لغو و غيبة و همس و لمز ، توجه إلينا دعوة من الجاثمين في حضن الفراغ و المتكئين على أرائك الكسل و أسرة الملل ، و على مائدة مزدحمة بأطباق محشوة بالنميمة و معجونة بالقيل و القال ، و تجاذب أطراف التفاهات و رسم سحب الدخان ، و عزف موسيقا من قرقعة النراجيل و اشتعال النار في مواقد تنتحر فيها عقارب الوقت كرماد الفحم ، و وسط جو إحتفالي خاوي المضمون تائه الهدف ، نتقاسم معا وزر جريمة قاسية و لكن القانون منها محايد ، فنتشارك و في أعصابنا برودة و عقولنا غفلة في قتل الساعات على مذبح الفراغ ، و وأد الدقائق و دفن الثواني في مقبرة زمن ضائع ، ليغدو الوقت و سيفه مسلط على عظم رقابنا يتغذى بنا قبل أن نهم بالتهامه كعشاء .
يمتلك البعض منهم قدرة عجيبة في هدر الوقت عن سابق إصرار و تصميم ، و في ذلك يستخدمون مهاراتهم الخاصة ، و لياقتهم النفسية و قدرتهم البهلوانية في إدارة منظمة للوقت الضائع ، كي لا تفلت منهم ساعة و لا دقيقة أو ثانية دون تخطيط مسبق و مدروس و ممنهج لهدره ، وفق سلم أولوياتهم الذي تحكمه مزاجية خاصة للتمتع في اللعب بالوقت بدل الضائع كلاعب كرة محترف ، و البحث عمن يشاركهم هذه الهواية بدعوة " يلا بنضيع شوية وقت " .
بين الغفلة و التهاون يمضي هواة هدر الوقت حياتهم باحثين و مستقصين عن سبل كفيلة بتسريب الساعات من روزنامة أعمارهم القصيرة نسبيا مع حجم المهام المطالبين بها كعناصر ينبغي أن تكون فاعلة في المجتمع ، و غالبا هم من فئة الشباب المنتظرين لفرصة عمل ، و ربما نساء في مخادع الدلال و استنزاف عطايا الرجال من آباء و أزواج ، أطرن العلم و الشهادات كزينة لجدران الصالونات و المطابخ ، بينما يندبون البطالة و يلعنون القدر لعدم هرولة وظيفة حكومية إليهم على أطباق من ذهب ، و يشكون في روتينهم الرتيب الملل و فائض ساعات تحبو كالسلحفاة ، و ينقون كنقيق الضفادع رتابة حياة ، و يجترون سوء حظ و طالع لفراغ قاتل ألم بإيقاعات حياتهم ، فتارة يهربون منه إلى " تصفن " مديد أو نوم عميق ، و تارة إلى هوس تسوق و إنفاق المال دون حساب .
و لكونهم مخلوقات اجتماعية إلى أبعد الحدود ، فلمواقع التواصل لديهم مكانة خاصة ، و أهم أهدافهم إضاعة وقت الآخرين أسوة بأنفسهم ، تبعا لقاعدتهم الحياتية " من سواك بنفسه ما ظلمك " ، فيجيدون البحث عن الأهداف بين جهات " متصل الآن " ، للانقضاض على الهدف بسيل من عبارات مشروخة و قلوب مهشمة ، في تمهيد تكتيكي لزيارة واتس طويلة الأمد .
أيها العابثون بخريطة الزمن ، و الغافلون عن قداسة الوقت ، و المستهترون بسيفه القاطع و سم عقاربه ، لا حاجة لتذكيركم بالمزيد من الأقوال و الأمثال عن أهمية الوقت و ضرورة إستثماره بما هو مفيد لكم و لمجتمعكم الصغير و الكبير ، و لا داعي لبث الهلع في أنفسكم بأن الزمن الذي تلهون به اليوم سيلهو حتما بكم غدا ، فكل الأمثال و التجارب ربما لن تغير قناعاتكم في هدر طاقاتكم بين سين و تسويف ، و عشقكم للثرثرة و السبات و التسلية و التسكع بين مقهى و شارع و فيس بوك و واتس ، و لكن .. حبذا لو تمارسون هواية قتل الوقت بعيدا عنا ، لأننا نخشى أن نراه صريعا فبالكاد تكفينا ساعاته التي لا تتجاوز أربعا و عشرين ، و دعونا نمارس طقوسنا الخاصة في استغلال الزمن و استثماره بما ينفعنا .