خصخصة تعليمية


ثورة أون لاين – ميساء الجردي :
لم ينته العام الدراسي بعد، ولم يأت موعد العطلة للتحضير لامتحانات الفصل الثاني في المدارس العامة، ومع ذلك كادت المعاهد والمدارس الخاصة أن تغلق أبواب التسجيل لديها لعام دراسي قادم، بحركة محمومة سريعة انتقلت خلالها أضابير الطلاب وبخاصة أصحاب المستوى الجيد والمتفوقين، من المدارس الحكومية إلى المعاهد الخاصة.. هذه المعاهد التي باتت تشكل تظاهرة إعلانية بصورة لافتة للانتباه من حيث طريقة تعاطيها مع المناهج الجديدة، وانتقائها للطلاب، وارتفاع تكاليفها، وأساليب الترويج والدعاية التي تعتمد فقط على نشر صور الطلاب المتفوقين، أو الاعتماد على أسماء مدرسين مشهورين في اختصاصات معينة حتى لو لم يكونوا متعاقدين معهم.
لم تكن الظاهرة موجودة في مجتمعنا السوري، قبل هذه السنوات الأخيرة، فقد كانت المدارس الحكومية تقوم بدورات إضافية بأسعار رمزية لطلاب الشهادات، ولكن أغلب الظن أن هذه المشكلة تفاقمت بالتوازي مع ظاهرة الدروس الخصوصية التي تغلغلت تحت غطاء البحث عن التفوق والمجاميع العالية، والفهم للمناهج الجديدة، مما دفع بعض المعلمين المخضرمين وأصحاب الأموال لاستثمار هذا الواقع بالتعاون مع بعض ضعاف النفوس من الكادر التدريسي من داخل المدارس الحكومية نفسها، يلعبون دور الوسيط للترويج للمعاهد الخاصة، وجذب الطلبة المتفوقين وإقناعهم بسحب أضابيرهم من مدارسهم العامة، وضرورة الإسراع للحصول على مقعد في أحد هذه المعاهد قبل فوات الأوان.
لا أعلم بالضبط ما هي الصورة الذهنية الجاهزة لدى الأهالي، حين يضعون مقارناتهم بين التعليم الحكومي والخاص، وما هو مبعث تلك الثقة المسبقة التي تجعلهم يتحيزون إلى الخاص على الرغم من أنهم يتركون أولادهم في المدارس العامة حتى الصف الحادي عشر ثم ينقلونهم إلى المعاهد الخاصة في مرحلة البكالوريا فقط. ولا أعلم ما هو سبب هذا الانبهار الشديد بتدريس الشهادات في المعاهد، التي أصبح عددها يتجاوز الأربعة أو الخمسة معاهد في كل منطقة أو حي.
حجر الزاوية هنا... ليس في موضوع التعليم الخاص بحد ذاته، وإنما في اختيار التوقيت للتسجيل في هذه المعاهد، وفي شروط القبول التي يضعونها والتركيز على الطلبة أصحاب المجاميع المرتفعة، وفي التشريعات التربوية التي تسمح بهذا التسرب المبطن وتأثيره على السمعة العلمية للمدارس العامة، وعدم ضبط الدعاية المعتمدة على أسماء مدرسين مشهورين في المدارس العامة يخصصون جهدهم الأكبر لهذه المعاهد.