تأملات من جوار البحر

ثورة أون لاين  - غصون سليمان :
بعد عشر سنوات على مغادرته،بقيت آخر صورة وداع راسخة في الذهن ، مخبأة في خزائن الحنين..
زوار مصطافون من كل المدن السورية ..عائلات من كل الطيف الاجتماعي ، صغار وكبار ، الجميع يشبهون بعضهم بعضا ..لافرح باد ولاحزن ظاهر ، ملامح الوجوه مابين بين.. إنه الصيف يجمعهم في إجازة بحرية يحلم بها الغالبية على شاطئي طرطوس واللاذقية ..فسحة من نافذة عام تطل مرة واحدة على من حالفه الحظ بدور في قائمة انتظار دورية وفقا لكل مؤسسة ومنظمة نقابية .. صدفة جميلة تجمعك بأناس تعرفهم لم ترهم منذ زمن ..ونفسها الصدفة تعرفك على أشخاص تسعد بهم قدموا من دمشق ., حلب.، دير الزور،السويداء ،حمص،حماة وغيرها..لقاء ومعرفة يخفف عنك وطأة الكثير من مساحات السواد التي غلفت أيام السوريين بساتر الهم والحزن..
كان البحر صديقا ، حبيبا يعرض خاتم الشمس عند الغروب لعروس السماء ليلتقيا بخط أفق ساعة الشفق ،كان البحر رفيقا يسمع الجميع ،يتلقى بثهم الداخلي بكل أمانة، لايشي بما نطقه اللسان وخبأه القلب..بل كان موجه يعلو بضحكات الأطفال وهم يختالون جمالا كما زبد البحر ..يداعبون رماله بصنع أشكال لامست براءتهم ،فيما اكتفى بعض الكبار بريشة سطرت قلبا ومحا.. فيما الرمل الشاطئي مازال يحتفظ بآلاف القصص والحكايا التي أودعتها النفوس الزائرة سرا وعلنا .. فبعض الذكريات حفرت في أغوارها أسماء لأبناء و أصدقاء، بعضهم غادر الحياة في رحلة أبدية، وآخرون هاجروا مع أمواجه إلى المجهول ، وبعضهم مازال يبحث ويعمل ويقاتل حيث الواجب والمهمات الصعبة..
ثماني سنوات من الغياب القسري لسرور ومسرات السوريين بفعل الإرهاب والعدوان ، كانت كافية لندرك حجم الجحيم الذي حل ببلدنا وبيئتنا وسياحتنا ونفوسنا..يوم اعتكف الشاطىء الرملي بكل مقوماته ومكوناته كما حال جميع البنى التحتية الأخرى عن استقبال لهفة الزائرين والمصطافين لبعض الوقت من السنين ممن كانوا على موعد مع شهر تموز وآب وأيلول..لقد عاد كل شيء ولابد للبهاء أن يطل..
زيارة جاءت على طبق من حاجة وضرورة لتغيير اجواء الروتين من ملل وتعب.. كانت الوجهة المخطط لها بضعة أيام نقضيها في ريفنا الجميل ،حيث ربوع الأهل والأحبة. لكن القدر عكس المهمة فكانت الوجهة مدينة طرطوس قبلة ساحلنا الزاخرة بكنوز التاريخ والحضارة وكل ألوان الحياة .
حنين شدني إلى ذاك الشط..شعرت خطواتي تقفز بلا وزن ،بلا تعب ..تذكرت في زيارتنا الأولى منذ أكثر من خمسة عشر عاما كيف كان الوجد والشغف بمعرفة كل التفاصيل.. مدى البحر، غروب الشمس..ضجيج المكان..ازدحام السكان..دوام الحركة ليل نهار.. أفراح واعراس النوادي.. الخوف من السباحة وغيرها..
لعل سؤال أحد الزملاء الأعزاء هنا كان محرضا لأبوح ببعض الشوق لهذا المكان..حين ذكر بعبارته تلك "أعتقد أن البحر دعاك اليه..فكان جوابي "دعاني اليه فلبيت دعوته ورميت نفسي في أحضانه ..وليت الجميع يلبي دعوة بحرنا،لنغتسل ونغسل بمائه المملح المعقم كل أدران الوجع التي علقت بنا لسنوات طوال. كنت سعيدة بلقاء أمواج البحر..عانقني وعانقته.. لم أخف منه هذه المرة.. عاتبته بهدوء..رميت أثقالي اليه..كان يضحك بمده وجزره..وربما كان يهزأ من بعض ضعفنا نحن أبناء الطين ويصافح صفحة الماء فينا ..كأنه يقول لنا..لاتدخروا هما ..لاتوفروا فرحا..عيشوا الأمل كل صباح..طاقات التفاؤل تتجدد بإرادة النفوس.ووجود حراس الفجر.