الحداثة السائلة

 ثورة أون لاين-عقبة زيدان:

من خلال رصده لزمننا – زمن ما بعد الحداثة – يتوصل زيغمونت بومان، إلى أن الحداثة التي خلقت كثيراً من الرؤى الجديدة والأفكار العملاقة الصلبة، قد وصلت إلى مرحلتها السائلة، وفقدت قوتها وصلابتها. لم يعد هناك من أفكار مهمة، ولم تعد هناك هياكل ومؤسسات اجتماعية صلبة، بل حلت الفردانية والاستهلاك محل القيم الكبرى، وصارت العلاقات خفيفة وسائبة.
فقد العالم رومانسيته، وفقد الإنسان إمكانية التفكير بالاستمرار، أو لنقل التفاؤل بالمستقبل. الحياة أصبحت لحظية تماماً: كل شيء يجب أن يخدم اللحظة، ولا شيء غير ذلك. الكل قابل للاستهلاك. وكذلك فقد تزعزع وجود الإنسان، وأصبح الإنسان ينام على هزة وجودية كبرى، ويستيقظ على مثيلتها.
أما الهوية فقد ذابت وأصبحت سائلة أيضاً، وداهم القلق الكائن البشري في كل مكان. ورغم أن شبكات التواصل الاجتماعي – حسب ما يظن البشر – قرّبت الناس، إلا أنها فاقمت القلق داخلنا، وجعلتنا ندرك أننا نتواصل فقط مع شاشات، وهذا هو الحد الأقصى. وبين هذه الإشارات المتضادة الضخمة على الشاشة، ومن مختلف الأشخاص والأماكن، يصعب على المرء إيجاد طريقه، ويقع في الحيرة، ويتوحش خوفه من مستقبله. لذلك نراه يحاول أن يزيد من حالات التواصل ليخفف من هذا القلق والعدمية.
وأخيراً، يرى باومان أننا باستخدامنا للشاشات، والانعزال في الغرف لنتواصل مع الآخرين، فإننا نتقوقع داخل غرف الصدى، حيث كل ما يمكن سماعه في تلك الغرف هو مجرد أصداء لأصوات الآخرين في الطرف الآخر من الشاشة. وفي النهاية، فإن الإنسان عندما يخرج من هذه الغرفة، يشعر بالرعب، وكأنه يرى محيطه الاجتماعي هذا لأول مرة.