موظف حالم

ثورة اون لاين -منال السماك:

على مقعد خشبي يسترخي في تلك الحديقة التي اعتاد أن يجعلها نزهته المجانية..

ألقى جسده المتثاقل و كأنه عبء يريد التخلص منه و إلقائه بعيدا عن دائرة إحساسه ، و التملص من ذاك الانتماء المستفز إلى عالم غارق بمادية نهشت روحه ، و ألقت به في أتون صراع عبثي لا يقوى على التجديف للوصول إلى بر الأمان فهو غارق لا محالة ..

كان متأبطا بضعة أكياس و كأنها كنزه الثمين الذي يخشى فقدانه .. جلس يحدث نفسه بكلمات هامسة ثم يهز رأسه ذات اليمين و ذات اليسار ، و كأنه يمارس طقوسا خاصة بالمعترضين و المحبطين على الأرض غير المصدقين لواقع صادم لجيوبهم الهزيلة .. أو ربما أصابه مس من جنون و هلوسة علنية..

كان يتفقد أشياءه الساكنة في عتمة تلك الأكياس لتزداد تمتماته و يعلو صخب لعناته و بذاءة شتائمه.. بينما يتحسس جيبه و كأنه أضاع ما فيها.. يدس يده في الأمامية منها و من ثم الخلفية بحركات هستيرية ، لعل ثقبا أوزونيا أصاب جدرانها ، فألحق بقلبه مزيدا من الخفقان و بتوتره الشرياني ارتفاعا لعينا .. ثم انصرف يضرب أخماسه بأسداسه ، و يجري عمليات حسابية عاجلة قبل جلطة وشيكة..

ليس هناك خطأ في حساباته.. لقد جعله لقب موظف حكومي بارعا في العمليات الحسابية.. فجأة ترك الهمهمات و التمتمات ، ليعلو صوته معلنا إفلاسه في أسبوعه الأول لولادة الراتب..

هذا بعد إضافة سلسلة الفواتير و أقساط الجمعية و غيرها من النفقات الهامشية..

هو على يقين تام بأن إعلان إفلاسه الشهري و إتقان الشكوى و النق لن يجدي نفعا ، أو يطيل بعمر الراتب الطائر ، فهو بحاجة إلى زيادة إسعافية عاجلة ترمم فجوة ضخمة بين راتب موظف حكومي و أسعار ملتهبة تلتهم راتبه ، و تلقيه في مستنقع الحاجة و العوز ، بينما تلوح له تصريحات المعنيين بتحسين مستوى معيشته.. "على الوعد يا كمون" !!

ما عليه سوى اللجوء إلى الأحلام.. سيرى نفسه يطير فرحا لسماع خبر عاجل يزف إليه زيادة " حرزانة " ترأب صدع راتبه ، و تجعله قادرا على مواجهة جنون الأسعار ، سيغرق في أحلامه الوردية ، على أمل أن تتقن الحكومة الموقرة تفسير الأحلام ؟!