كونراد الإنسان

ثورة أون لاين-عقبة زيدان:

اعتبر كونراد من أوائل الذين تكلموا عن اللاإنسانية والعنف المطبقين من الكولونيالية الغربية على البلاد الأخرى المسالمة. وقد طرح المسألة بقوة وجرأة، وشرّح الواقع الكولونيالي المرعب، وحظيت روايته "قلب الظلام" باهتمام العالم أجمع، وخصوصاً الأكاديميات الغربية، وعُدّت أفضل عمل يعرّي الواقع الاستعماري. وأصبح كونراد، بفضلها، علماً بارزاً، فتح الطريق أمام هذه الكتابات، وأطلق صرخة مدوية، سمعتها آذان من لم يطيقوا، أو لم يرغبوا في سماعها: أنتم مجرمون وقتلة ولصوص.
وبهذا العمل الكبير "قلب الظلام" يستشرف كونراد المستقبل، ويرى الظلام الذي يملأ بريطانيا، متوقعاً أن ترزح هذه الإمبراطورية تحت وطأة العنف والكره والأزمات الاقتصادية في المستقبل- وهذا ما جرى فعلاً. وفي أعماله الأخرى، تنبأ أيضاً بما سيجري في العالم من كوارث، واضطرابات سياسية وهجرة، ستقود إلى أزمات خطيرة.
كان كونراد يرى الحاضر، يرى العالم المعلولم، يتخبط في دمائه، ويرى أيضاً إلى أي مدى سيصل الإرهاب، الذي كان نتيجة لسياسات الإمبراطوريات. ويرى كذلك صعود أمريكا والرأسمالية متعدية الجنسيات والعابرة للدول والمستعدة لتدمير الوطنيات وإعادة تصنيعها حسب رؤيتها الجديدة والمتحولة. أي أنها تقوم بالتدمير وإعادة الصياغة كل حين، ولا تهمها أنهار الدماء التي تجري في شوارع العالم. كما في رواية "نوسترومو" و"العميل السري". وها هو أحد أقطاب الصناعة الكبرى في سان فرانسيسكو يقول: "علينا أن نمسك بزمام الأسواق والتجارة في العالم، شاء هذا العالم أو أبى".
كان هذا الكلام قبل ما يزيد عن مائة عام، وهو يحصل الآن، وبعنف شديد، وقسوة لا مثيل لها. لقد رأى كونراد المستقبل، رأى الوحشية الغربية التي تفوق الوصف، رأى تفتتها أيضاً، ولكن من داخلها.