أنشئ مكتبة

ثورة أون لاين - عقبة زيدان:

في لفتة جميلة وذكية، أرسلَ إليّ ابنُ أختي الشغوف بالقراءة عبارة صغيرة لبورخيس تقول: "أنشئ مكتبة حتى ولو كانت من ثلاثة كتب، وستقاوم جزءاً من قباحة هذا العالم. كل مكتبة هي صفعة في وجه العالم الجاهل، وهي سمو عن أميته وخفته".
العالم بشع وقبيح – هذه حقيقة فاجرة، والعالم جاهل وغبي – وهذه حقيقة فاضحة. وللتخفيف من بشاعة هذا العالم وجهله، لا بد من تجميله وإضاءة أنوار صغيرة لتبديد ظلمته المتوحشة. وحدها الكتب هي التي تفعل هذا.
العالم صفع بورخيس في كل دقيقة بهمجيته ووقاحته، فانزوى هذا الشاعر في مكتبة مؤلفة من ثمانمائة ألف عنوان. ورغم أنه كان أعمى يجوس في الظلمة البصرية، فقد كان يرى أكثر من معظم معاصريه، وكان يغني: "بطيئاً في عتمتي/ أكتشف خيوط الغسق بعصاي المرتجفة/ أنا الذي تخيل أن الفردوس/ هو الفضاء القابع تحت عنوان مكتبة".
المكتبة هي الوسط الطبيعي للعقلاء أمثال بورخيس، وهي المكان الذي يجد فيه الإنسان الحر نفسه فيه. أما الوسط الذي لا كتاب فيه، فهو مكان معدّ لإهانة العقل ولتدميره أيضاً.
تجعلنا الكتب نختبر كل لحظة من لحظات وجودنا، وفي الحقيقة إنها تجعلنا نكتشف وجودنا الحي، وجودنا الكارثي على هذه الأرض، أو بعبارة بورخيس نفسه: "العالم –لسوء الحظ – حقيقي، وأنا – لسوء الحظ – بورخيس".
ولسوء الحظ أيضاً، لم يعد الكتاب يشكل في حاضرنا شيئاً له قيمة. لقد انتقلنا إلى بُعد آخر من الوجود، أضعنا فيه متعة الاكتشاف، وأضعنا أنفسنا بجهلنا وخفتنا.