من غير ميعاد

ثورة اون لاين..غصون سليمان : 

في محراب المحبة تعبد الألم فراقا ، قسط من الوفاء..قسط من الذكرى ..للراحلين عن العيون ..غصة تسمرت في القلب واستوطنت معتقة بين الضلوع و اعتاب النفس ..

جلسات من الطمأنينة المعتادة كانت على موعد من خيوط الفجر وهي تعانق حبال الشمس الشاهدة على يوميا ت ارتشاف قهوة الصباح..تحضرها سيدة بمزاج عال من التذوق يشاركها رفيق العمر ، شريك الحياة.. على السراء والضراء كانا صامتين يبثان لبعضهما البعض كل مايعتمر النفس من أفراح وأحزان ، بعض الغنى وبعض الفقر ، أشهر من مرض وسنوات من عافية ..لكنه خبأ عنها هذه المرة..رغم أنها تجيد الفهم بلغة العيون ،شعرت بحدسها الخفي ماشعر به من احساس داخلي ، وأن قلبه النابض بحرارة الحياة لم يعد قادرا على التدفق بذاك النبض..ورغم ذلك لم يستكن للوهن والوجع .

حاول أن يمارس طقوس يومه المعتادة..بعض الوقت مع فنجان قهوة وسيجارة من التبغ العربي ، وكلمات طيبة يسمعها من نصفه الآخر .. دعاء بالسلامة لبناته المعلمات الذاهبات الى مدارسهن ،لتبدأ بعدها دقائق التهيؤ والاستعداد لقطاف موسم الزيتون من شجيرات متدلية أمام ناظريه في الأرض القريبة من داره..

لامست أصابعه الكادحة بعض الثمار لكنها لم تكمل القطاف ،جلس على الأرض متكئا رأسه بهدوء تحت ظلالها مستعدا لما رآه من نور..وما بين حضور الزوجة وصراخ النجدة ..كان القلب توقف واغمضت العيون اجفانها في رحلة وداع أبدية.. استيقظت القرية على نبأ وفاة الإنسان الطيب..الإ نسان النبيل الكريم بطبعه ومعامتله..الذي كان بمثابة صمام الأمان في محيطه كما وصفوه.

الراحلون من غير ميعاد في توقيت البشر ..أرشيفهم مليء بمساحات بيضاء لونتها تفاصيل حياة مشفوعة بشقاء وتعب ومسؤولية ..حنان من طبع بشر يقدرون قيمة الأشياء واللحظات ، مدارك عابرة لكنها كالنسمة تطوف بالنفوس على صغار القوم قبل كبارهم ..

أناس من هذا الزمن نعرفهم عن قرب ، لسنوات من عمر مترامي الأطراف ، سماتهم نبل المواقف وكرم العمل ، وطباعهم سهم من صفاء ونقاء .. قدموا جل طاقاتهم وقدراتهم حين كانوا يخوضون غمار معارك الحياة المختلفة بكل أمانة وشرف وإخلاص حين كانو ا يرتدون بزتهم العسكرية ومن موقع المسؤولية يجسدون شعار العقيدة حد القداسة "وطن ،شرف ، اخلاص .

وبعد مسافة طويلة من نضال ..انتقل الرواد إلى ضفة الحياة الأخرى المليئة بالتناقضات بعد سنوات من وجع وألم وحرب عدوانية ظالمة غيرت معالم التفكير وقلبت موازين الذهن في غير اتجاه..

لتبدأ الرحلة من فضاء أرض تحن إلى ايد قوية ،فكما كانت تضغط على الزناد بكل حرص ودقة باتجاه العدو المتلون ،جاءت كي تستريح على أعتاب العمر في أحضان الأرض والطبيعة التي تشكوا الهجران والتصحر وقلة الخضار ..

عكازهم بذرة زرعوها في جوف الأرض ، ونبتة غرسوها في موسم عافية لتغدو شجرة باسقة يانعة شربت من عرق ودموع ، بعد تسع سنوات من تقاعد نهاية العمر ،أنفقت بالعمل ،والأمانة بحمل المسؤولية ..قدوة في التواضع وحب الخير ..

انها جراح من فراق نعيش على ذكراها في شهر تشرين الأول الذي خاض فيها اللواء المتقاعد أحمد عبدو اسعد والآلاف من رفاق السلاح حرب تشرين التحريرية التي نعتز ونفتخر بانجازاتها المعنوية والوطنية ..