اختصاصات غير مرغوبة

ثورة اون لاين – ميساء الجردي:

يتغير مجرى الطموح عندما يتعارض مع مفاهيم الواقع، وقد ترجح كفة المكانة الاجتماعية على مبدأ المسؤولية وكفة الحالة المادية أمام النظرة الدونية، وقد يحدث خلل في الخبرات ونقص حاد في بعض أنواعها، ليس لمجرد الواقع الاجتماعي الذي تعيشه بعض الاختصاصات، فهناك عزوف طلابي عن دراستها لأن هؤلاء ليس لهم دخل إضافي يتناسب مع حياتهم ودراستهم الطويلة وخبراتهم.

وما إن يصل طالب الطب البشري إلى عامه الرابع ويدرس الخيارات الممكنة للاختصاص الذي سيتابع فيه سنوات الدراسة العليا حتى يشيح بوجهه عن ثلاثة اختصاصات دون تفكير بمراجعة نفسه .. ودون أن يشعر بالندم لأنه لم يختر أيا منها.

نعم لا يوجد أي اهتمام لدى الطلبة في اختيار الطب الشرعي أو في اختيار طب التخدير أو في اختيار الطب النفسي .. فما زال تحفيز الطلبة على هذه الاختصاصات بعيدا عن الحسابات على الرغم من التناقص الكبير بأعداد الأطباء في هذه الاختصاصات على مستوى سورية والذي بدأ يتحول إلى حالة كارثية وبخاصة بعد أن تناقص عدد الأطباء الشرعيين إلى 70% مما كان موجودا قبل الأزمة، وما هو موجود اليوم على رأس عمله لا يتجاوز 56 طبيبا من أصل 150 .. ولا يمكن القول أن الحال أفضل بالنسبة لاختصاص الطب النفسي إذ لا يتجاوز العدد 73 طبيبا وهناك محافظات خالية تماما من الأطباء النفسيين.. وكذلك الأمر بالنسبة لطب التخدير الذي لا يتجاوز عددهم 500 طبيب في كل سورية.

للأسف الحاجة الملحة لهذه الاختصاصات لم تحرك ساكنا لدى الجهات المعنية في تحسين واقع العاملين فيها .. فالدخول في الظروف الراهنة ونتائج الحرب لم تحمل صك التحفيز والترغيب لطلبة الطب لكي يختاروها لتأمين مستقبلهم المهني والاقتصادي.. فما زال الهروب مستمرا وكبيرا من هذه الاختصاصات نظرا لانعدام الحافز المادي والاقتصادي.

هؤلاء الأطباء لا يقومون بعمليات جراحية لكي يتقاضوا أجورها ولا يتردد الناس إلى عياداتهم إلا ما ندر وليس أمامهم سوى رواتبهم التي يتقاضوها من المستشفى التي يعلمون بها.. وربما الدخول في ضخ ميزات وحوافز جديدة قد يكون قادرا على جذب الطلبة بقناعة إلى دراسة هذه التخصصات، ولعل زيادة التثقيف حول أهميتها من خلال الكتب المدرسية والمحاضرات في الجامعات، ووضع هذه الاختصاصات ضمن المنح والبعثات الدراسية الممولة يجعلها ضمن جدول الرغبات الحيوية لدى طلبتنا.