قلب على الوطن

ثورة أون لاين -غصون سليمان:
كمن خلع سترته الدافئة وعرض جسده لريح مفاجئة ما فتئت أن بدلت دوزان العافية وسمحت لتلقصات البرد أن تعاين مخابئ الضعف والقوة في أعضاء جسم متناغمة بنبض قلب ..
كثيرون من السوريين خلعوا ستراتهم عمدا يوم لا ح عمى البصر في أفق الفوضى المصطنعة حول ضجيج الوهم والخداع ..والبعض الآخر تنازل عنها رغما عنه وهو مكبل بأصفاد الحصار والخوف والقلق..فيما آخرون تم انتزاعها بكل قسوة البطش والحقد والترهيب ..
سوريون خارج الحدود بعضهم لم يكن يرى بلده وهو في حضنه منعما أو كما يجب أن يراه بالمعنى الروحي والوجودي للهوية ، فكان ناكرا جاحدا.. وبالتالي هذا البعض اضطر لأن يراه بمجهر المصالح والمعاملة وهو يبعد عنه آلاف الأميال وربما مسافة ساعات حيث كاميرا عينيه رأت عين الحقيقة هناك ..حقيقة أدركها مئات الآلاف،والذين أفصحوا عنها بالقول :لا تدرك جوهر و قيمة سورية بلدك إلا عندما تكون بعيدا عنها في بلاد الاغتراب العربي والأجنبي أو أي مكان آخر وتجرب بضع حياة وبضع عيش ..
على سبيل المثال لا الحصر أحد الزملاء والمعارف "المعتقين " كان قد غادر دمشق الحياة بعد أن سبقه أهلوه وأقاربه إلى دولة عربية مجاورة ..إلاّ أن شيئا لم يسعده أو يريحه هناك ،فكل شيء يختلف في الجو والصورة والمشهد العام .. بقي بضع سنوات يترقب ويتحسر على وجع مأزوم فرضته قباحة حرب وسهّل لمروره وتورمه حصار خارجي وسلوك شائن من عملاء وخونة ..ومع ذلك كان معظم ما يأكله ويلبسه قد هرّب وسرق من وطنه الأم ليقتات عليه وأمثاله بالتقسيط حيث هو وبأثمان باهظة ..
المفارقة واضحة بكل تأكيد ولا تحتاج إلى شهادة حسن انتماء لأرض ووطن وتاريخ وهوية وذكريات لأن الوطن بالنسبة للمرء جامع وضامن كما جلد الانسان يستر ويحنو على كل الأجزاء .. فهل يحتاج المرء كي يشعر بأهمية وقيمة سورية أن يغامر ويصارع رياح الهروب نحو الغربة سيما وأن كثيرين كانوا في وضع جيد وخارج المساحات الجغرافية و المناطق المتوترة ، فضلوا أن يكابدوا كل ألوان الخطر المجهول الذي قذفهم ومازال يقذفهم على شواطئ الموت والتشريد والتذلل ، على أن يبقوا ويخاطروا سلما بالبقاء في حضن الوطن وجواره يساعدون أبناءه ،معنويا بالصمود ، وماديا القيام بواجبهم على أقل تقدير.
سورية بعين البعض كانت ربما ضبابا في رؤيتهم لكنها حقيقة شمس ساطعة لم تكتشفها أفئدتهم ونفوسهم المريضه إلا على بعد أميال من حدودها .. فيما الملايين من شعبها وناسها حولوا اسمها إلى ضمير حاضر مقدس في لغة الحق ..ألبسوها ألوان الحب وضحوّا من أجلها بأغلى ما يملكون من أجساد وأرواح ..ومارسوا عملهم بكل امانة في جميع المواقع الممكنة رغم رسائل الموت والإرهاب المتعددة ..
واليوم يتنقل قوس النصر من شبر إلى آخر بهمة أبطال وشجعان افتدوا الحق والحياة ، لتبقى سورية وطن الطهر والكرامة في عيون شرفائها ومحبيها .