بالخبز وحده

ثورة أون لاين - منال السماك:

في حديث عن الجفاف كنا متفرغين للعواطف قد نشكو جفاءها و نلعن سوء تواصل .. فنحن لسنا من أبناء القحط و زمننا ليس يبابا .. لم يكن يشغلنا الجوع .. و اللقمة لم تكن يوما هاجسا يؤرق وسائدنا ، و لا تلتوي للسعي رواءها الأقدام ، و لا تذوب حنقا منها النعال ، والأكف لا تلطم على الجيوب لتصفعها بقسوة بعد جولة تسوق بائسة تعود بخفي خيبة و أكياس هزيلة ..
لا تهرع إلى جلد الذات بسياط استوردها خصيصا لك تجار الأزمات ، و لا تغرق بقعدة ذنب و تقصير فصلها مؤججو نار الدولار على مقاس رقبتك حتى تكاد تخنقك ، و تدفنك عاريا لغلاء و احتكار الأكفان .. رويدك .. فأنت لست مقصرا بحق عائلتك و لا بخيلا خرجت للتو من قصص الجاحظ .. فالمحال انت لست صانعه و الفقر لست زارعه .. ما زلت حسن النية رغم طعنات غدر تأتيك من كل صوب لنهبك و تجويعك و إفقارك .. فقد نهضت للتو من معركة بحجم وطن ، و كنت صامدا تحت وابل قذائف ، و مثابرا للحفاظ على لقب مواطن بار .. حاربت مغريات مهاجرة نحو الضفاف الأوروبية المترفة .. و آثرت الصبر و الصمود كي لا تخرج من دارك خشية أن يقل مقدارك ، فقد كنت على يقين أن لقمة الغريب مذلة و الثوب المستعار غير دافىء ..
و الآن بدأت معركتهم .. هي أقسى و أشد إيلاما .. فعدوك من أبناء جلدتك .. و سلاحه مصوب نحو لقمتك و سترك و صحتك .. ذخيرتهم التي لا تنفذ دولار لم يلهث بعد ، و ما زال يصعد و عيوننا تراقب ، و تدعو بان يلقى حتفه كي نعيش بسلام مادي .. انت ما زلت في حالة فصام و إنكار .. و مع ذلك تصر على تصفح نشرات الأسعار .. و تدون في سجل الزائرين للأسواق الملتهبة استغرابك إلى جانب توقيع حسرتك .. و تقدم الأعذار لعائلتك فمن سوء طالعهم أنهم في زمن قفر و القادم حرمان موائده خبز حاف ..