منتهي الصلاحية

ثورة أون لاين - منال السماك:

هنا يرقد ضمير .. تحت تلك اللوحة الحجرية التي تنعيه .. و تذكر زائري المثوى بتاريخ رحيله بعد ميلاده ، إليه يحملون باقات عتب و أكاليل لوم .. ثم يسقونه بسيل من آهات تشتاقه ثم تندبه .. و تترحم على أيامه قبل أن يفقد تاريخ صلاحيته و يرحل مأسوفا على شبابه ..
لا تهدر وقتك بالبحث عنه حيا يرزق ، فقد تعود بخيبة الفقدان ، و تكسرك مرارة الخذلان مع كل سلعة ترميها لفقدان صلاحية ضمير ، فتاريخها داس عليه زمن ، و لم تعد صالحة للاستهلاك البشري ، و إعادة تدويرها عقيمة فالفساد يعم خلاياها و التشويه عبث بملامحها بعملية تجميل فاشلة..
تعددت الضمائر الغائبة و تلونت في استتارها ، فتارة سرعان ما يلحق بها الصدأ أو يغزوها العفن ، و أحيانا تصفر أو تخضر لخبرة في خداع النظر و استمالة المشاعر و استغباء حاسة الذوق و استغفال البطن .. و كأنه جدار أو حفرة ترمم بمواد البناء و مساحيق الطلاء ..
يظهر من جديد ضمير مستنسخ و كأنما أصابه زهايمر أو لحق به هرم .. فيستغل وجعا ضرب أطنابه إثر موجات متتابعة لغلاء يعم تلك البلاد ... فالضمائر الخرفة عبثت و خلطت و شوهت .. فلا تكاد تميز بين العسل و الزيت .. و لا بين اللبن و طلاء الجدران .. انه الغش الذي لا يخجل من حواسنا و لا يخشى وخز الضمير .. فقد تم دفنه في الخفاء و حلت مكانه الغايات و المصالح ..
تبا لمن نعى ضميره بقلب بارد .. و كفنه مبتسما مختالا بغنائمه من أموال تتكدس على بقايا بشر .. و أقام لضميره الغائب تمثالا من حجر فاقد للمشاعر .. و هنيئا لمن بقي ضميره متصلا حاضرا غير غائب و لا مستتر .. غير منفصل عن رأفة و رحمة ببني البشر ..