ما بعد الغلاء

ثورة اون لاين – ميساء الجردي:

غالبًا ما يدفع الفقراء الفاتورة، ويكونون ضحية التغيرات المادية، إذا ما استمر هذا الوضع وبقي الميزان المالي في أيدي شريحة قليلة من الأغنياء والتجار الذين أفسدوا المناخ المعيشي لغالبية الأسر السورية.. والفواتير التي نتحدث عنها لا تتعلق فقط بمخاطر الأمن الغذائي ومكابدة البحث عن لقمة العيش وعدم حصول الفرد على نصيبه الكافي من الغذاء والصحة والتعليم، فهناك مخاطر جمة تهدد الجوانب الحياتية والعلاقات الاجتماعية والأسرية.
وبسبب التداعيات المستمرة للغلاء أصبحت المؤشرات الاجتماعية تركز على الفقر بصفة أساسية وما يترتب عليه من نقص الطعام وسوء التغذية مع تدني مستوى الخدمات الاجتماعية، وقد أصبح نسبة لا يستهان بها من الناس بالكاد يتدبرون أمورهم المعيشية بأطعمة قد لا تحمل أي قيمة غذائية، وأسر لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج لأفرادها، ونسب التسرب المدرسي إلى ارتفاع لعدم القدرة على المتابعة أو بسبب البحث عن عمل ليعيل الشاب نفسه ..هذا ما تتنبأ به الدراسات التي أقيمت على شكل رسائل بحثية في الجامعات مؤكدة على تفاقم نسبة الأضرار الصحية ، وجفاف العلاقات الاجتماعية، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، فضلًا عن انقراض العديد من الالتزامات الحياتية تجاه مواقف إنسانية عامة... وتزداد المشكلة لدى شريحة الشباب .. الغالبية همه تأمين مصروفه الشخصي وما يعمل به بالكاد يكفيه وحده مما أدى إلى انخفاض نسبة الزواج بنحو 50% مقارنة بما كان قبل عشر سنوات، وضيق ذات اليد .. وهذا سبب مباشر لإهمال كبار السن والتخلي عن رعاية الأبناء للآباء.
ولعل أخطر التغيرات الاجتماعية لما يحدث بعد الغلاء، هو ارتفاع المشكلات الأسرية ونقص الالتزام بالعائلة والعادات والتقاليد والنزوع نحو الهجرة و التبعية الثقافية للدول المتقدمة، وهذا بالطبع له تداعياته المتوقعة في عدة مجالات؛ مثل ضعف الانتماء الوطني والحضاري، وضعف التماسك الأسري ... ولا يخفى على أحد كيف تظهر متلازمة الأمراض الاجتماعية مع كل ارتفاع جديد للسلع والفواتير ووسائل العيش، حيث تزداد السرقات والتسول والرشوة والفساد، تزامنا مع زيادة في الأمراض النفسية وارتفاع نسبة الطلاق والعنوسة.
هذه الخطا السريعة نحو مزيد من الفقراء يمثل عبئًا كبيرًا على المجتمع، فالمشكلة أكبر من عملية البحث عن الحاجات المعيشية اليومية، فلا يفترض أن تصم الآذان عن تأثير ذلك على الصحة الجسدية والحالة النفسية، والعزلة التي يعانيها كثير من المعوزين عن توفير الاحتياجات الضرورية لأفراد أسرهم والتي تكون سبباً للإصابة بكثير من الأمراض والتحديات للمجتمع.