ثمن إنسانية

ثورة أون لاين - منال السماك:

عاد الثلج و معه نهضت ذكرياتنا الدافئة من دفاترنا المركونة تحت غبار الهجران .. البعض منا فضل البقاء بين جدرانه الدافئة نوعا ما نسبة إلى دفء مضى ، حيث المدافئ متقدة لم تكن تعرف بعد لغة ترشيد و لا مصطلحات التقنين .. و البعض الآخر آثر عدم تفويت فرصة لقاء الثلج وجها لوجه و عناقه و اللهو معه ليعودا كأطفال مر الزمن من محطاتهم و لكنهم غافلوه فلم يكبروا ..
رغم قساوة البرد ما زالت دمشق تحتضن زوايا دافئة تعانقها طقوس حنونة ، و تلقي وشاحا من الحميمية على كتفها .. فتشدنا عربة فول " نابت " بينما مفاصلنا يقرصها البرد و يؤنبها من لهو في مشوار مثلج لم يفوته البعض من عشاق الثلج .. و تستوقف الهاربين من جدية أعمالهم إلى أحضان الثلج كاسة " سحلب " ساخن .. و معها تحلق مخيلتهم نحو ماض جميل ترافقها " آه ألا ليته يعود " ..
أما البخار المتصاعد من صواني الكنافة فكان له سحر خاص .. فكيف يقاوم العابرون إغراءها و حركات بهلوانية تقفز فوقها لأيد خفيفة سريعة تقطع حصصا صغيرة للمشترين ، تكاد تكون بضع لقيمات في حضرة غلاء سكر .. و كلما زاد الازدحام فتحت شهية المارة الآخرين .. استوقفني ذاك المشهد المتناقض بين شدة البرد و تصاعد البخار لاستقراء الوجوه خلفيات مشهد ، كانت كما تحمل لهفة و إشتهاء لتناول " الكنافة " و التمتع بدفئها .. تجرح قلبك يد حفر عليها الهرم أخاديده .. تنقر على كتف الإنسانية بإستحياء و خجل .. و نظرات كسرها الفقر ترجو بعضا مما يأكلونه .. فالنفس تشتهي ..
من كتف فقد الأمل منه إلى كتف ثان و ثالث و رابع ... كان يخيب رجاؤه و تنهار نظراته المستجدية .. ليمضي مرتجفا تتعثر خطواته بانكساراته المتدحرجة تحت أقدام المارة .. و لكن تمهل قليلا .. انتظر فالانسانية لم ينعاها زمننا الصعب .. إنه صوت ينادي يا عم .. يا عم .. تفضل هذا الصحن من خير الله ..