محنة الألقاب

ثورة أون لاين-ديب علي حسن:

في المحن التي تلمّ بالأمم يختلط الحابل بالنابل، فكيف والعالم اليوم يمرّ بأكثر من محنة، محنة استلاب العقل وتدجينه والعمل على تقديم الرديء ليكون محلّ الأصيل، العمل على مسخ الكائنات الحية، وجعل الجميع متساوين كرؤوس البصل في مزرعة حان قطاف غرسها؟

لن نتحدث عن محن أخرى فهي قد تكون أهون الشرور، فكل ما يمكن تعويضه والعمل على إصلاحه ليس بمحنة صعبة، وإن كنا نتمنّى ألّا يكون، ولكن أصعب المحن أن يكون العقل في إجازة دائمة وطويلة الأمد، مما لا شك فيه أن الذكاء الصناعي قد أراح العقل في الكثير من القضايا، لكنه بالوقت نفسه عمل على استلابه وفق خطط مدروسة ومبرمجة، باختصار: العالم الأزرق وما يحمله من صغائر عند البعض، ليس أمراً عابراً، ولا عادياً أبداً.

ولا يظنن أحد ما - طفرة الألقاب التي نراها اليوم تعود بقوة على صفحات مواقع التواصل - أنها هكذا مجرد تسلية وكفى، الأمر أخطر من ذلك بكثير، عالم يتساوى فيه الجاهل من لا يفكّ حرفاً مع من قضى عمره وحياته بحثاً ودراسة ومتابعة، صفحات لا أحد يعرف إذا ما كان من يديرها نصاباً محتالاً، لا يعرف القراءة الجيدة، وربما لم يقرأ كتاباً بعد نيله المرحلة الابتدائية، يتنطّح لمنح فلان (لقب الدكتور، الدكتور ).

والأكثر حزناً أن الأمر ماضٍ بقوة ومستساغٌ عند الكثير منّا، لا ننكر على أحد أن يحصل على أي لقب يدلّ على مقدرته العلمية والثقافية، ولنقل إن كان حامل اللقب ومانحه على الأقل يحملان ربع ما يقتضيه منحه فأهلاً وسهلاً..

لم يقف هؤلاء عند منح ألقاب سفراء ودكاترة، بل وصلت الجرأة عند بعضهم لمنح أوسمة، ومن المعروف أن الأوسمة لا تمنح إلا من أعلى سلطة في أي بلد في العالم، وبعد اقتراحات من جهات علمية محترمة، فكيف تستباح هذه العلامة التي تعني الأصالة والتميّز، والفعل الخارق في المجال الممنوحة لحاملها؟.

حان لوزارتي الثقافة والتعليم العالي أن تعملا على صك تشريعي يعاقب ويجرّم أي جهة في الداخل تعمل على الاستهتار بهذه العلامات والدرجات العلمية المرموقة، وربما من باب العتب الكبير على بعض المبدعين والمبدعات أن نقول: كيف لكم أن تكونوا في هذا المغطس العفن، وكيف ترضون أن يقيم ويقوم أعمالكم من لا يعرف ألف باء الثقافة؟

الظاهرة على امتداد ساحة الوطن العربي، تخبو حيناً، لكنها تعود، قد يكون من الصعب ضبطها، ولكن على الأقل لتعمل كل جهة على تجريم من يفعل ذلك، في سورية نحن في سورية بأمسّ الحاجة لردع من يظن أنه قادر على منح أوسمة، وهو يتعدّى على علامة وطنية عالية القيمة لا يملك أحد صلاحيات منحها إلا رئيس الجمهورية، هل نفعل؟.


طباعة