عزلة إلكترونية

 

ثورة أون لاين- منال السماك:   


شيئاً فشيئاً ينسحبون من دون قرار مسبق، ليتركوا صخباً إلكترونياً لا يطرب حسهم المرهف، ولا تتراقص على إيقاعاته أرواحهم فرحاً.. فيختارون لتكون جنتهم من دون أناس تهرع إليها أنفسهم استرخاء، لخطف شيء من أمان نفسي مفقود ضمن حياة اجتماعية متوترة البقاء فيها للأقوى.. ليس جسدياً وإنما براعة في فنون تواصل اجتماعي افتراضي عاشق للاستعراض، وغارق في استهلاك مادي ذي قشور براقة يغلفها الزيف والنفاق الشكلي، هم فيه يغردون خارج السرب ليس لديهم ما يعرضونه أو يتباهون به ترفاً وبذخاً، فقط هم متفرجون بعين متألمة على صندوق الفرجة، داخله عالم مبهر لا يشبه عوالم ذوي الاحتياجات المادية الخاصة، ولا يتناسب مع ذوي الإعاقة الشرائية، والسقف المنخفض لميزانية تعلن الاستسلام أمام أي جولة تسوق من أسواق شعبية، وكم متواضع من سلع استهلاكية تنتمي لقائمة الضروري فقط.
على صفحات التواصل الافتراضي يحضر البذخ اللامتناهي، وتنهال الصور في استعراض غير عادل بين فوارق فردية في الإمكانات المادية، موائد تفتح شهية من قدم العذر من أطباقه لخواء حل بها، بينما يقتحم بين الحين والآخر ذاك العالم الأزرق، ليقدم طبقاً متواضعاً من صنع تدبير وتدوير وحكمة في إدارة ميزانية آيلة للإفلاس أمام جنون أسعار، ليواجه بسخرية وتهكم واعتراض، فشتان بين موائد تحت خط الفقر وأطباق طفح كيلها من تخمة لحم وشحم.
لقد قدمت اعتذارها من متابعيها فطبقها ينتمي لعالم الفقراء ممن لا يستحقون المشاركة بعرض فنونها المطبخية، بينما عاهدتهم باحترام بذخهم وجنون ترفهم، لقد قررت الانسحاب والانزواء والاعتزال، فالعالم الافتراضي لا مكان فيه لذوي الصور الباهتة التي يؤطرها الفقر، ولا لأصحاب الأطباق المتنافرة والموائد التي تفترش الأرض ولا تعتلي الطاولات الشامخة بما لذ وطاب من محرمات الفقراء..

 


طباعة