سلب العقول

 

 

تنظر الأمم العريقة إلى عظمائها وعلمائها وقادتها وأدبائها على أنهم معالم ومحطات عظيمة في سلسلة تاريخها الطويل، ولا ترى أن ترديد أسمائهم أو ألقابهم مجرد احتفاء بذكرى مولدهم أو موتهم أو تحقيق إنجاز علمي أو أدبي لهم، فهم بكل ما يحملون من صفات يدخلون في دائرة النموذج والمثال الذي ينبغي العمل على تكريسه في أذهان الناشئة من أبناء الأمة بحيث يشكل وعياً مجتمعياً عاماً يتحرك وفقه في اتجاه موحد في الأزمات والظروف الضاغطة والاعتداءات الخارجية، وتدفع المجتمع للتحلي بصفات ومواصفات ترتقي إلى مرحلة الاستعداد للذود عن حياض الوطن وعزته ووحدته وسيادته وتقديم الغالي والنفيس في سبيل تلك القيم.

هذا المبدأ لا تختلف الأمم بشأنه من الناحية النظرية، لكنها من حيث التطبيق قد تختلف وتتباين قدراتها في تمكين أبناء مجتمعاتها من تمثل تلك القيم، الأمر الذي يفسر المكانة المتباينة والمختلفة التي تحتلها كل أمة من الأمم في السجل التراتبي للدور الذي لعبته أو تلعبه في التطور البشري والحضارة الإنسانية.

وحالنا كعرب مؤلم ويدعو للرثاء في ظل العدوان المستمر على الأمة العربية وثقافتها وتاريخها ومن ضمنه شخصياتها ونماذجها في الإبداع والقيادة.

ولعل القصص والروايات المختلقة أكثر ما يتم الترويج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإعلامية غير المسؤولة التي تدعي المعرفة بوقائع التاريخ وتصوغ قصصاً مختلقة وتنسبها لمراجع وهمية أو دراسات غير موجودة أصلاً لتأتي في النهاية إلى النتيجة المتمثلة في فرض حالة تقريرية ثابتة غير قابلة للجدل أو النقاش، إمعاناً في سرقة تاريخنا، وخاصة فتراته المضيئة وإدخال عامل الشك في أي حدث مشرق في هذا التاريخ الفاعل والمؤثر في الحضارات البشرية على امتداد أكثر من عشرين قرناً من الزمن.

وبغض النظر عن حالة الجدل والتشكيك التي يطرحها البعض من المثقفين وسواهم، يبقى أن نعترف بأن الأمم العريقة تنظر بعين صادقة لجميع مراحل تاريخها، فلا تؤثر فترة أو مرحلة محددة وتتنكر لغيرها، ولا تولي أهمية لشخصية وتتناسى شخصية أخرى، لكنها تنظر بعين الأم والوالد لجميع أبنائها وتدخلهم ميزان التقييم العملي بعيداً عن الخوض في السلوكيات الخاصة وتركها للباحثين والمختصين يحددون سماتها وطبيعتها وطبعها ومواقفها، دون أن يعني ذلك معاداتها، فهي شخصية ارتبطت بزمانها ووظرفها ولا يجوز القياس عليها وفق رؤانا ومفاهيمنا وسلوكنا الراهن، فلكل زمان ظروفه الخاصة، وهي ظروف يمكن فهمها لكنها غير قابلة للتكرار أبداً، ذلك أن الزمن يشابه سهماً منطلقاً، لا يمكن استعادته أو عودته إلى الخلف، تماماً كما الشخص الذي يقف في نهر جار، يتجاوزه الماء ويظن نفسه أنه ما زال مبللاً بالماء نفسه.

هذا الواقع يمثل جزءاً من الغزو الثقافي ومحاولة استلاب الوعي وسلب العقل في واحدة من معارك الحرب الغربية الاستعمارية ضدنا، مراحلها طويلة، وفصولها متعددة، لكنها محكومة بالفشل مهما استخدمت التزوير باستخدام الإعلام المستحدث ونشر الإشاعات والمعلومات الكاذبة في مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الركائز القوية والمتينة والثابتة لا تلبث أن تظهر بأوضح صورها وبأبهى تجلياتها، طالما كان هناك بقية مؤمنة وملتزمة وعارفة للدور الحضاري الأكيد للأمة العربية ومكانتها التاريخية غير القابلة للشك، تعمل وتنشر وتزرع المعرفة والقيم في قادم الأجيال.

معاً على الطريق - مصطفى المقداد


طباعة