"السلام".. والأكاذيب الأميركية

 

 

"صفقة القرن" هي البديل.. بهذه الذريعة المبنية على الكذب والخداع، وبكل ما تحمله من صلف وغطرسة، نعت الولايات المتحدة على لسان سفيرتها لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت "مبادرة السلام العربية التي أقرت في مؤتمر بيروت عام 2002"، وقضت نهائياً على أي بارقة أمل لإحلال السلام في المنطقة، والأهم أنها وجهت بذلك إهانة من العيار الثقيل للمطبعين المروجين لأكذوبة "السلام"، واللاهثين وراء تلميع صورة الكيان الصهيوني، وشرعنة جرائمه.

كرافت لم تأت بأي جديد بالنسبة "لمبادرة السلام العربية"، فهي كانت قد وئدت في مهدها منذ لحظة إعلانها، عندما رد عليها الإرهابي شارون وقتذاك باقتحام قواته المحتلة مدينة رام الله وارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين، ولكن استبدال واشنطن تلك المبادرة بـ"صفقة القرن" يعري مجدداً سياسة الكذب والنفاق الأميركي حول مفهوم السلام، وبمقارنة بسيطة بين "المبادرة العربية" بكل ما تحمله من تنازلات، و"صفقة القرن" التي سمتها كرافت "تجربة ترامب"، نجد أن الأولى تستند في أقل تقدير إلى مرجعيات وأسس حددتها قرارات مجلس الأمن الدولي "الأرض مقابل السلام، والقرار 194 (للجمعية العامة للأمم المتحدة) حول عودة اللاجئين، وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس، وغيرها"، بينما الثانية لا تحظى بأي إجماع دولي، وتستند فقط إلى قانون شريعة الغاب الذي تحاول الولايات المتحدة تعويمه كبديل للمواثيق الأممية التي تحكم العلاقات الدولية، وهذا انتهاك صارخ لكل قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

المفارقة الكبرى أن "صفقة القرن" التي تروج لها واشنطن على أنها "صفقة سلام"، هي مدمرة لكل الأسس التي قامت عليها عملية السلام، لأنها تهدف لتصفية القضية الفلسطينية من أساسها، ووفق العرف القانوني فإن "الصفقة" تتم عادة بين طرفين متفقين على بنودها، و"صفقة القرن" هذه، لا وجود للطرف الفلسطيني فيها على الإطلاق، هي اتفاق مبرم بين إدارة ترامب وحكومة العدو الصهيوني على نسف الوجود الفلسطيني، وتوسيع رقعة الاحتلال، فكيف تسميها واشنطن "خطة سلام"؟، وكيف تفتح هذه "الصفقة" آفاقاً جديدة أمام الفلسطينيين، وهي تسلبهم ما بقي من حقوقهم المشروعة، وتقضي على آمالهم بإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة؟، وعلى أي أساس يتبناها المطبعون، ويساعدون في تطبيق مضامينها الاحتلالية التوسعية، ولم يخولهم أي فلسطيني التحدث باسمه؟.

إعلان كرافت يثبت حقيقة واحدة، بأن أميركا وكيانها الغاصب لا يسعيان بالمطلق نحو تحقيق السلام خلافاً لمزاعمهما، ورؤيتهما لهذا السلام تنحصر فقط بإنهاء أي مطالب بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، و"صفقة القرن" هي استكمال للمشروع الصهيوني التوسعي، وعمليات التطبيع الجارية تحت مظلة هذه "الصفقة"، لا تخرج عن سياق تشكيل تحالف تحت راية الإرهاب الصهيو-أميركية لتطويق ومحاصرة محور المقاومة الذي يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته المشروعة، ويتصدى لكل المخططات والمشاريع الأميركية والصهيونية التي تستهدف شعوب المنطقة، أما السلام الحقيقي، فلا يحتاج إلى آليات ومرجعيات جديدة، فطريقه معروف وواضح، هو إنهاء الاحتلال، والبديل أيضاً معروف وواضح، هو خيار المقاومة.

البقعة الساخنة - ناصر منذر


طباعة