متى تتعظ أوروبا..؟

معظم الدول الأوروبية في حالة استنفار أمني اليوم على خلفية الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس وفيينا، وسبق لتلك الدول أن فرضت هذه الحالة إثر هجمات مشابهة قبل سنوات قليلة، وثمة مخاوف كبيرة من توسيع نطاق تلك الهجمات في المستقبل القريب والبعيد، وهذا يطرح سؤالين مهمين: لماذا تبقى أوروبا عرضة للإرهاب؟، ومتى يعي قادتها أنهم يتحملون مسؤولية مباشرة بتعريض أمن بلدانهم لهذا الخطر الداهم؟.

القادة والمسؤولون الأوروبيون يتناوبون اليوم على محاولة إلصاق تهمة الإرهاب "بالإسلام وتعاليمه السمحة"، لتبرئة أنفسهم، وإبعاد الشبهة عن سياساتهم المنتجة والمصدرة للإرهاب الدولي العابر للقارات، ويتغافلون عن حقيقة مهمة أن تنامي ظاهرة الإرهاب، مرتبطة بشكل وثيق بسياساتهم الخرقاء، وبتعاطيهم الخاطئ مع هذه المسألة، هم لم يدركوا خطورة التعامل مع الإرهاب وتنظيماته ومتزعميه، ووفروا له كل الدعم السياسي والعسكري والإعلامي، وساعدوا في انتشار فكره التكفيري، ولم ينتبهوا لقضية أن مجتمعاتهم المتطرفة هي بيئة خصبة لتلقف هذه الأفكار التي سرعان ما انتشرت داخلها كالنار في الهشيم من خلال الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، واعتقدوا أن دولهم محصنة من تلك الآفة، طالما أنهم يساهمون بإدارة التنظيمات الإرهابية، ويوجهون دفة جرائمها بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم الاستعمارية، ولكن النتائج دائماً تأتي خلافاً لتوقعاتهم وحساباتهم الضيقة.

المثبت حتى اليوم، أنه رغم تكرار الهجمات الإرهابية في تلك الدول، وما تخلفه من ضحايا، إلا أن حكوماتها غير جادة على الإطلاق بوضع استراتيجية أمنية فعالة تحد من حدوث العمليات الإرهابية، هي دائماً تتحدث في الإعلام عن عزمها اتخاذ إجراءات رادعة، ولكن على أرض الواقع الأمر مختلف تماماً، فالاستراتيجية الحازمة تقتضي منها قبل كل شيء وقف دعمها للإرهاب، وقطع كل مصادر تمويله، وملاحقة شبكات التجنيد الإرهابية على أراضي دولها، لكنها تفعل العكس تماماً، هي تواصل دعمها للإرهاب وتشرعن جرائمه في غالب الأحيان، لأنها مصرة على الاستمرار في استثماره إلى أقصى الحدود بما يخدم مشاريعها وأجنداتها العدوانية، ولذلك فإن ارتداد الإرهاب هو نتيجة طبيعية للسياسات الأوروبية القائمة على دعم هذا الإرهاب ورعايته.

الحكومات الأوروبية تتحمل وزر كل الجرائم الإرهابية التي يتعرض لها مواطنوها، ولاسيما أن معظم العمليات الإرهابية التي حصلت في السابق نفذها إرهابيون عائدون، كانت أجهزتها الاستخبارية قد أرسلتهم إلى سورية والعراق للقتال في صفوف "داعش"، وهم تمرسوا على عمليات القتل وارتكاب الجرائم بحق شعبي هذين البلدين، بفضل الخبرات الإجرامية التي اكتسبوها من ضباط أوروبيين وأميركيين وأتراك، أشرفوا على تدريبهم، ولقنوهم أساليب الإرهاب، وزرعوا في نفوسهم الحقد والكراهية لكل ما يمت للإنسانية بصلة، وبحال لم تتخل تلك الحكومات عن نهجها الداعم للإرهاب، وطالما بقي قرارها خاضعاً للسياسة الأميركية، فإن خطر الإرهاب المرتد، سيظل يهدد أمن واستقرار أوروبا بأسرها.

البقعة الساخنة - ناصر منذر


طباعة