التبعية تقوض الثقة..


في ظل انعقاد الجولة الرابعة للجنة مناقشة الدستور في جنيف، الكثير من الأسئلة تطرح لجهة مدى جدية الوفود الأخرى -أو بالأحرى- مشغليها، بتحقيق تقدم ملموس، وتجسير هوة الخلافات لتعويض حالة فقدان الثقة التي تحدث عنها المبعوث الأممي غير بيدرسون، رغم أن النقاش حول المبادئ الوطنية الأساسية، من المفترض ألا يحتاج إلى أي خلاف جوهري، فسيادة الدولة ورفض التدخل الخارجي، ورفض وجود أي قوة محتلة، وحق السوريين بتقرير مستقبلهم بأنفسهم، كلها ثوابت ومسلمات وطنية لا يجوز أن يقف عندها الطرف الآخر، كما حصل في الجولات السابقة، فهذا بحد ذاته إثبات على أنه يتحدث بلسان رعاته من داعمي الإرهاب في سورية.
المبادئ الوطنية التي ركز عليها الوفد الوطني خلال هذه الجولة " موضوع عودة اللاجئين، والملف الإنساني، وموضوع رفع العقوبات الجائرة"، من المسائل الأساسية والجوهرية التي تهم الشعب السوري، ولكن المشكلة تكمن في رؤية الأطراف الأخرى لهذه المسائل من زاوية الأجندات المرسومة من قبل منظومة العدوان، فمن يعرقل عودة اللاجئين، ومن يتاجر بالورقة الإنسانية ومن يحاصر السوريين في لقمة عيشهم؟، هم أنفسهم الذين يمررون القصاصات الورقية لأعضاء الوفود الأخرى، ويزودونهم بالتعليمات اللازمة لنسف أي حوار بين السوريين، ووضع المزيد من العراقيل أمام أي حل سياسي محتمل.
من خلال تجارب الحوار السابقة، تبين بشكل واضح أن تبعية وارتهان الطرف الآخر، هي التي تزعزع أجواء الثقة، فهذا الطرف على سبيل المثال يرفض حتى الآن إدانة الإرهاب، أو حتى مجرد الإشارة للاحتلالين التركي والأميركي لأجزاء من الأرض السورية، والأدهى أنه لم يزل يستجدي مشغليه لفرض المزيد من العقوبات على الشعب السوري، والمفارقة أنه يصر على ادعاءاته بانتمائه لهذا الشعب!، رغم أن طروحاته الهدامة تتماهى دوماً مع مواقف الدول الداعمة للإرهاب، وهو في المحصلة يفاوض باسم تلك الدول، فكيف السبيل لردم هوة الخلافات بين من يتشبث بمصلحة الوطن العليا، وبين لاهث لتنفيذ أجندات دول معادية؟.
الدولة السورية لطالما تعاملت بكل مرونة وإيجابية مع لجنة مناقشة الدستور، وتبذل جهوداً كبيرة لإنجاح مسار عملها، ولكن التدخل الخارجي لم يزل يشكل العقبة الرئيسية أمامها، ويهدد بإفشال عملها، وجميع الخلافات الحاصلة، لا شك أنها ستزول بمجرد امتلاك دول منظومة العدوان الإرادة السياسية الكافية لإنهاء الأزمة، وإيجاد حل سياسي ينهي معاناة السوريين، ويتوافق مع رغباتهم وتطلعاتهم، وهذا يقتضي بطبيعة الحال، الكف عن دعم الإرهاب، وإنهاء الاحتلالين التركي والأميركي، ورفع العقوبات الجائرة، والتوقف عن تسييس الشأن الإنساني، وتسهيل عودة المهجرين إلى وطنهم، والتوقف عن المتاجرة بمعاناتهم وبغير ذلك فإن لجنة مناقشة الدستور لن تشهد أي تقدم جوهري في عملها، وستبقى تدور في حلقة مفرغة.

البقعة الساخنة- بقلم أمين التحرير- ناصر منذر


طباعة