نحن والحكومة

ثورة أون لاين-علي محمود جديد:
تلعب العقوبات الاقتصادية على سورية، والحصار الجائر المفروض عليها، دوراً كبيراً في عرقلة الأهداف والخطط التنموية التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها.
وبالمقابل أشعر بتعاطفٍ أشدّ مع حالتنا البائسة التي وصلنا إليها كمواطنين، من سوء وانخفاض مستوى المعيشة، وقلة الدخل، وزيادة المتطلّبات، المترافقة مع الارتفاع الكبير للأسعار.
والحكومات بشكل عام ترفع مناسيب الخطط وتنشرها بشكل أفقي واسع، وبشكل عمودي شاهق، فتقع في مطبات المبالغة في الآمال، والعجز عن التنفيذ.
هذا ما قاله لي أحد الذين تكتوي قلوبهم في البحث عن فرصة عملٍ شريفة بعد أن تخرّج من الجامعة – التي لاتربط التعليم بالعمل، إلاّ بالكلام – وها هو ينتظر الفرج، وبات قلقاً أكثر من بانكيمون في عزّ زمانه.
ويرى هذا الشاب أنّ الأفضل في مثل هذه الحالة أن تقوم الحكومات وقبل كل شيء بالسعي لتحقيق أربعة أهداف أساسية .. رفع مستوى المعيشة أولاً، العناية بالتعليم ثانياً وربطه بالعمل بشكل فعلي، والتركيز على الخدمات الصحية وتوفيرها بشكل جيد ثالثاً، ورابعاً تأمين فرص العمل وخلقها بما يتيح مجال العمل للمواطنين، ولاسيما الشباب منهم.
ويعتقد أن اكتفاء الحكومات بهذه الأهداف الأربعة يُسهّل عليها الأمور كثيراً، وتتمكّن من تحقيقها، وتُيسّر أوضاع المجتمع، وبالتالي تكتسب الكثير من الشعبية.
كلام صاحبنا صحيح من حيث المبدأ، وقد فكّرتُ به مليّاً، وقلت سأطرح هذه الفكرة ( فوق الطاولة ) علّها تجد آذاناً صاغية، فاقتصار الحكومة على أربعة أهداف بالفعل يسهّل عليها الكثير من العناء، ولكن بمجرّد التفكير بكيفية الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف الأربعة، نجد أنّ كل هدف يرتبط بمئة هدف لا بدّ من إنجازه أولاً، فهناك تفاصيل كثيرة يكمن بين طياتها شيطان العراقيل والمصاعب، لأن رفع مستوى المعيشة – مثلاً – يتطلب العمل باتجاهين، الأول: تأمين الأموال الكافية لتغطية زيادة الدخل بعيداً عن فكرة التمويل بالعجز، لأننا بذلك لن نستفيد شيئاً، والاتجاه الثاني تخفيض الأسعار.
تأمين الأموال الكافية يحتاج إلى زيادة الإنتاج، وزيادة الإنتاج تحتاج إلى زيادة الاستثمارات، وزيادة الاستثمارات تحتاج إلى استيراد احتياجاتها من مصانع وخطوط إنتاج ومواد أولية ومستلزمات أخرى، والمصانع كي تشتغل وتنتج تحتاج إلى كهرباء، والإنتاج نفسه يحتاج إلى تسويق داخلي وتصدير، والتسويق والتصدير يحتاج إلى نقل، والنقل يحتاج إلى النفط، والنفط يحتاج إلى إنتاج من طرف آخر أو استيراد، وإنتاجنا من النفط غير كافٍ، والاستيراد ممنوع فالحصار يضرب أطنابه..!
وإن التفتنا نحو الأسعار فلابد من زيادة العرض بكل شيء للتغلّب على الطلب، وزيادة العرض تحتاج إلى زيادة في الإنتاج أيضاً، وبالتالي إلى تلك السلسلة، كما يحتاج الأمر هنا إلى رفع سعر صرف الليرة، وهذا يعني إيقاف المضاربات والسوق السوداء كلياً، وإيقاف الاستيراد، ليزداد عرض القطع الأجنبي وينخفض الطلب عليه، لترتفع قيمة الليرة، ما يعني إيقاف الإنتاج ..!

إذن القضية ليست بتلك البساطة، فللوصول إلى رفع مستوى المعيشة سيكون هناك تشابكاتٍ لها أول وليس لها آخر، وكذلك الأمر بالنسبة للأهداف الثلاثة الأخرى، ولذلك دعوا الحكومة تعمل عمودياً وأفقياً .. وكان الله بعوننا وعونها.