نزعُ القناع

ثورة اون لاين -علي محمود جديد:

جميلةٌ هي البطالة المُقنّعة التي في سورية .. مثل بشاعتها .. وأكثر، فصحيحٌ أنها تُشكّل عبئاً على المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية، وتُشوّه كفاءتها، وتنهشُ من دخلها وأرباحها، وتجعلها خاسرة بامتياز وهي بالأصل رابحة ..! ولكنها بالنهاية تُعطي صورة اجتماعية جميلة لمنهجية دولتنا، كيف أنها تتحمّل هذه الخسائر كلها، وهذه الإخفاقات الاقتصادية أحياناً من أجل الحفاظ على دخل هؤلاء المواطنين الفائضين عن الحاجة، والدولة مستعدة لأن تتحمّل المزيد من الخسائر، ولم تُبدي يوماً استعدادها لتسريح عاملٍ واحد يفيضُ عن الحاجة .. ولا عمل له أصلاً هنا أو هناك .. فهي حريصة دائما على مصلحة العمال ومكتسباتهم، وتعتبر أنّ الحفاظ على هذا الفائض من العاملين ليس أمراً سيئاً مهما انعكس بالسوء على المؤسسة، لأنّ وجودهم في عداد العاملين الفاعلين – وما هم بفاعلين – له منعكسات اجتماعية هي بالأساس أحد أهمّ أهداف الدولة، فليس بالربح المادي وحده تُقاس الأمور، هناك مكاسب اجتماعية، ومرابح أخلاقية ووجدانية أيضاً هي أهم من ذلك الربح بالنهاية.

في الواقع لا داعي للحثّ باتجاه الاستمرار بهذا النهج وهذه القناعات عند الدولة، فهي مستمرة بذلك سلفاً، ولا تقف عند هذا الأمر بأي مؤسسة من المؤسسات مهما طرأ عليها من تغيّرات، فالحفاظ على وضع العاملين آيةٌ ثابتة لا تقبل النقاش.
بالفعل هذا جميل، ولكننا نعتقد بأن هؤلاء العاملين الفائضين – ومهما تكن ظروفهم – هناك طرق معيّنة وأساليب لتشغيلهم والاستفادة من وجودهم.

ففي قريتنا – مثلاً – وحدة إرشادية تتبع لمديرية الزراعة، وهي لا تحتاج عملياً إلى أكثر من عشرة موظفين، ولكنها تضمّ اليوم نحو سبعين موظفاً وموظفة، منهم نحو عشرين من زوجات وأبناء الشهداء يأتون كل يوم إلى دوامٍ لا عمل فيه سوى شرب الشاي والقهوة وكؤوس المتة، ثم يذهبون .. !

من الواضح أن هناك وظيفة اجتماعية لهذه الفرص، ولكن ألا يمكننا استثمار هؤلاء العاملين ..؟ بلى يمكن .. فأمام وخلف كل بيتٍ في القرية قطع من الأرض التي لا تُستثمر جيداً في الغالب، كان يمكن لمهندسي الوحدة الارشادية الزراعيين أن يقسّموا القرية إلى قطاعات، ويكلف كل عامل أو عاملة بالاشراف على قطاع واحد، يقوم هذا العامل وباسم الوحدة الارشادية بتشجيع الأهالي للاهتمام والتركيز على الزراعات الأسرية، ويمكن القيام بمتابعة شبه يومية لتطورات هذه الزراعات، ويقوم هؤلاء العاملين بصياغة تقارير لرئيس الوحدة الذي بدوره يعطي تعليماته ومتابعته أيضاً لأي خلل ممكن.

أعتقد أن اتباع هذا الأسلوب في الوحدة الإرشادية، وابتكار أساليب أخرى في أماكن أخرى سيجعل هذه الحالة من البطالة منزوعة القناع، وتنقلب إلى حالة مجدية وذات فوائد حقيقية يحتاجها المجتمع، كما يشعر هؤلاء المقنّعين بأنّ لهم دور مفيد في المجتمع، وليسوا مجرد عالةٍ عليه .