أنور الخطيب: الإبداع «خلــود خلــف عتمـــــة النهايــات»

هي فيضُ الشِّعر المُتخم بكلماتٍ كتبها ألمُهْ.. هي الحياة والقصيدة والأمومة في ذاكرة قلمهْ.. الأمومة التي مثلما كانت تعدّهُ وأخوته في وطنه «فلسطين» كانت أيضاً «تعدُّنا كلّ يومٍ مرَّتين»: «مرَّة في الصباح/ وأخرى في المساء/ بعد سبعينَ عاماً من الهباء/ لم يَعدْ في البيتِ إلا/ حفنة من هواءْ/ وصوتها/ يمشي على عكازتين/.. أمي/ حين كانت تجمعنا/ كالعصافيرِ حولَ المائدة/ تظلُّ كفَّها المليئة شاردة/ وفي المساء/ تقودُ الليلَ على ظهرِ خيلٍ عائدة/ تحكي لنا قصة الماردِ والماردة/ وحين ننام/ يهدهدها الله وهي ساجدة/..
هكذا تعدُّ الأم أبناءَ قلبها، وهكذا يَعدُّ «المنشقُّ عن حديث المساء» نبضها.. الشاعرُ الذي اعتلى «عرشَ الهواجسِ بالوساوس» بعد أن غادرته، والذي أبقاها فيهِ تيهاً ما أرادته.. تسكنُ في قصيدته بروحٍ لا تنام، فيسهو عنها ليصحو على «صلاة الحمام».. يُرتِّلها ويُلقي الحبّ عليها، وعبرَ أبوابٍ يرى «الشكل» فيها: /الشكلُ جدارْ/ ليسَ من بين معانيه الحصارْ/ الشكلُ إطارْ/ نحتاجه في لحظة الانهيار/ خوفاً على الأنا من الذوبان/ الشكلُ إنسان/ مهما تعالى أو تجلّى أو تعابث/ أو تماهى مع العصيان/ يبقى في لحظة العُري جبان/..
إنها فلسفةُ «المغيب الناجي من التأويل» وفي كل دواوينه التي عبرَ فيها من الممكن إلى المستحيل.. فلسفة الأديب والشاعر الفلسطيني «أنور الخطيب» البارعُ في تحويلَ الكلمات إلى نغمات، وفي عزفِ موسيقاها بهوى المفردات.. مفرداتُ صلاة قصيدته، وهوى أناهُ وتعويذته: /أنا المغيّبُ الناجي من التأويل/ لن أكونَ نبيّا/ وإن سألوكِ عنّيَ قولي/ أحبُّ هذا النديّا/ أنجبْتُه، من دمعةٍ في دربِ آلامه/ كانت تغذّ النشورَ نحوي/ وتطوي المواجعَ طيّا/ شرطُهُ في الظهورِ/ ألا أناديه بُنيّا/ ولا أقيمَ على صلاتهِ وصيّا/ فاحفظوه في رقابكم/ لا ترجموه/ لم يكن في دمائكم شقيّا/..
حتماً هي ليس هلوسة، بل صلاةٌ على «الشرفة».. صلاةُ شاعرٍ يعطّر الصباحات بقصيدته العاشقة، فتتنفَّسُ مفرداته الواثقة، بأنه الصاعدُ بها إلى «تلّة المعنى» لا المتألمُ والنازفُ في نصٍّ دخلهُ «مثل خالقٍ تأنّى»: /ما بين صاعدٍ إلى تلَّةِ الوهم/ هابطٍ إلى شهقة العتم/ حتى ترى النبوّةَ المشتهاة/ على ظهرك الحاني/ تمزجُ عتم الهبوطِ بوهمِ الصعود/ وتبقى/ على حافة المعنى هناك/ تجدلُ بالغيب سِدرة منتهاك/..
هذا مايفعله «الخطيب» وهو يدورُ تيهاً في زمنِ الخيبة والعتمة الذي صلبهُ بلفظِ الغريب.. هذا مايفعله في ديوانٍ تارةً يتصاعدُ فيه بمفرداتٍ صارخة وساخطة، وتارة يتغلغل بين صفحاته مختصراً العناوين بحكمة أناه الناطقة: لستُ برّياً بما يكفي/ كي أكون زهرة/ على صدرِ أمِّ الشهيد/ لستُ شهيداً بما يكفي/ كي أكفَّ يدي عن يدي/ ولساني عن لساني/ وأذهبُ للقصيد/ كي أحررني من العبيد/.
هذا مايفعله وهو يرى بأن بلادة كلّ الأشياء، وليس فقط «شيءٌ ما» قد تمادت بالتغلغلِ في رأسه، ونخرِ تفكيره وحدسه، وبأنه بات يتألَّم ليتعلّم، بأن الفكرة قد تصيب النصَّ بـالـ»ملل»، فتجعله رتيبَ الهذيان و»يتمطى في ربوع الكسل»: /لا شيء يحدثُ منذ قرنٍ مرقطٍ بالدجل/ لا شيء سيحدث بعد قرنٍ مزنَّرٍ بالعلل/ لو تكرَّرَ الصباحُ ذاتُه/ كنملٍ في المقل/.
يرى كل هذا متجاوزاً «العتبات» ومحطات الحياة.. يحفرُ بكلماتهُ على حجارها، فيخضرُّ وجدانها.. يتركُ آثار تغرُّبهِ عليها، ويمضي إلى «سماء سادسة» في بلادٍ يجمحُ شوقاً إليها..
لاشكَّ أنه الـ»خلود خلفَ عتمة النهايات» حيث ذاكرة الخيبات.. خلودُ الشاعر في ذاته ونزيف لحظاته.. خلودُ الغريب-الأديب، في الرحيل والمنفى والغياب الذي فيهِ ويحاكيه: /نمْ ولو لحظةً واحدةً كي ننامْ/ وصُمْ لحظةً واحدةً عن الطعام/ كنْ كريماً مرةً واحدةً/ وادخل حانةَ الموتى/ وشارك ضحاياك الفِطامَ/ وغبْ/ لاتُحيّينا وأنت تفترسُ الغمام/..
نعم.. هو خلوده، وفي الحلمِ الذي يتوسَّدهُ موتاً لايمكنه ردَّه، لا في المساءِ ولا «في الصباح».. لايمكنه ردّه إلا عن القصيدة التي يمضي إليها بكاملِ الجراح.. جراحُ الأيام وحطامها، والكلماتِ التي تواجه حرب الظلام بقولها: /في حرب الظلام/ أشطبُ كلّ أوهامي من الأحلام/ أرسلُ نصِّيَ المصلوب/ إلى ما بعد بعد الغَمام/ ولا أقول: إلهي، لماذا تركتني!/ لماذا تُصَوَّبُ نحوي كلُّ هذي السهام!/.
هو أيضاً تمرّده على غربته والرحيلِ منه إليه، وعلى أناهُ في وطنٍ غابَ عنه رغم تماهيهِ فيه.. عشقه الذي يحيا كأن لم يقتله أحد، والذي أودعه بأمانِ قصيدته «أصابوك بالحسد».. العشقُ الذي يسأله: «خذني إليك»، والذي يرتبكُ أمام أنثاهُ فـ»تطلُّ من عزلتها عليك».
تُطلُّ وتلفتهُ بأن: «أنا هنا» انظرني تراني. يلتفتُ فإذ بها «شهقة لوز» تغويهِ بـ»ما أشهاني».. يدنو فإذ بها «روح المقام» و «وطن الغرام»..
تتماهى فيه وتقرأ معانيه: «أنا كفُّك السمراء» وقد «اصطفتني التفاسير» فيكَ و «لكَ في عينيَّ آيتان» فـ»عدْ إليَّ وعُدْ إليك»..
أنا «أمُّك التي ولدتكَ في الطريق».. «عمّدتك من نزيز النجومِ/ علّقتك على برقٍ عتيق/ زفَّتكَ على دربِ آلامها/ رافقتكَ إلى سماءِ الحريقِ/..
كل هذا في قصائدٍ قدَّسها.. عشقُ الأم التي أنجبته، والأرض التي ضمضمته، والقصيدة-الحبيبة التي خاطبها: «لا تكتبيني» إلا بـ «أنامل الماء».. أنا الموثَّق بموقدكِ ومعتَّق، بكفَّيك جمرة تكفيني طول الشتاء».. «علميني كتابة الشِّعر يا صغيرتي» بـ «دلال» و»حميمية»، أصيرُ فيكِ «صورة» مؤطَّرة بـ»ضحكة الياسمين» ومفرداتي الشاعرية:
علميني وبعدها اعتقيني، فـ «لا شيء يبقى على حاله بعد انعتاقه/ لا السهم/ لا الرصاصة/ لا الروح/.. كل شيءٍ آيلٍ إلى نزوح/..
كلّها قصائد شاعرٍ، تصارعت فيه المشاعر، فبات «يتقلَّب في معنى الجمر» باحثاً عن «ممحاة الشعر».. /تتمدَّد ممحاةُ الخلق على نهدِ الغيمة/ فيمحو الشعرُ الممحاة ويسبي النجمة/ يبني بيتاً على حافةِ العراء/ حيث السقوطُ والعلوّ/ سواءٌ بسواء..
هكذا يهيم الشاعر في عزلته وحكمته «لون واحد مؤبَّد». يتجاوز به التفاصيل فـ «لا شيء أبيض» واللاشيء: /هو الموتُ/ أبيضٌ أو أحمرٌ أو أسود/ من ذاته يتجرّد/ في ذاتهِ يتأبَّد/ وبذاته يتوحَّد/.
هكذا يهيمُ «الشاعرُ المزمار».. في لحظاتِ الحصار».. يهيمُ فيناشدُ امرأتهُ المثقلة بما بينهما من «شهواتٍ مؤجَّلة»: حرريني، انقذيني، اقتلي الصوفيّ بروحي وارفعيني.. «لستُ في مقام التعرّي».. «لستُ إلا آخر الناجين منّي»..
باختصار.. هو تحليق «الخطيب» في فضاءِ قصائدٍ شاءها تردُّ عنه وعما حوله الاحتضار.. تحليقه في فضاءاتٍ شاسعة الوجد، ولوطنٍ هو «حديقة عشق» وهو فيهِ «بائع الورد».
هفاف ميهوب
التاريخ: الاثنين 11-2-2019
رقم العدد : 16906