الثقافــــة لــــــم تعــــد كتابــــاً للمطالعــة..

انفجر البركان الخامد والتف التفاف الثعبان حول الريف والمدينة ووضع الانسان في موضع الاختناق فماذا يفيد؟هل نحارب أم نستسلم أم إن غريزة البقاء وحدها تحدد الحلول اللازمة للنجاة؟
في كل وجدان سوري بقي في أرضه ووطنه هذه التساؤلات بل يعيش واقعها بكل ألم, وكثيرا من الأحيان يتلظى بنارها لكنه لايحترق لأن الحياة أحلى من الموت ونزعة البقاء والتنفس والتمتع بالسير في حقل ورؤية اللوز وهو يتفتح في كل عام أمر ليس مضمونا لذلك تحضر ثقافتنا.. اما أن نتحدى ونعيش أو نموت لنندثر ونصبح من الأمم التي حسم التاريخ أمرها فانقرضت.
بثماني سنوات خفقت قلوبنا رعبا وخوفا وانكسرت حزنا وازدادت تجاعيد الوجوه الكئيبة, ولملم الفرح أمكنته وغادر الى أن يأتي زمانه,وعشنا في الظلام وانتصر البرد في ليالينا على الناس المتدثرة بكل أغطية البيت, وعدنا الى الحطب ولملمنا كل عود يابس وقطعنا أشجارا وأقفرنا الجبل والسهل وعشنا بلا أحلام, ونمنا دون مبالاة: هل يطلع الصباح غدا أم سنكون ضحايا لخفافيش الليل؟ أكلنا خبزا لم نعرف ماهي مكوناته.. وقفنا ننتظر في تشرين وفي كانون الاول والثاني وحتى اليوم ننتظر جرة غاز بكل البؤس الذي يحيط بالعالم وطرقنا باب المسؤولين تذللا من أجل ليترات من المازوت لمريض مصاب في بيتنا او لعجوز نهش البرد في عظامه ولم يغادر.
غادرنا أحبة وغامروا بحياتهم من أجل الوصول وهم يقولون اليوم: أنهم سعداء هناك وأن مايقال عن العيش في بلاد الغربة ليس صحيحا؟ كيف ذلك؟ ليس لدي أدنى فكرة.
قالوا: ان العيش في وطن بزمن الحرب أمر خارق للطبيعة وأن من يستطيع تحمل ذلك جبار عنيد, وأن من يستطيع أن يعيش الحرب وويلاتها يصعب وصف ثقافته من أي منبع أخذت والى أي مصب ستورد, ويقولون عنا: أن تكون جل أحلامك ان تصل دون ان تصيبك رصاصة من هنا او صاروخ من هناك, وان تبلغ أقصى أمنياتك في الوصول لبيتك سالما فهذا يعتبر قاتلا للراغبين بالحياة والتواقين للنهوض بالمستقبل والنهوض بالوطن.
لكننا لم نقتل ولم نمت, كثرت الذبحات القلبية والدماغية وازداد السرطان خبثا, وأصيب سقف بيتنا، انهارت أعمدته, ولم نمت, مازالت الحياة تسري في داخلنا رغم كل شيء انتصرت الرغبة بالحياة على الموت في هذه السنوات التي مرت على العالم كله في قرون مختلفة وعلى بلادنا في قرون مضت, والكتاب الذي قرأناه في تلك القرون شكل ثقافتنا وهذا الكتاب الذي يقرؤه اولادنا سيشكل ثقافة لن ينسوها مكونة ذاكرة قوية لحياة تعاش بكل قسوتها للوصول الى يوم دافئ يشع بغد نأمله حلوا وطريا برائحة الخبز.
وما زال للحديث بقية مادام هذا الانسان باقياً في هذه الأرض.
أيدا المولي
التاريخ: الخميس 14-3-2019
رقم العدد : 16931