«روما».. حكايـــــة مختزنــــــــة في عمـــــــــق الذاكـــــــرة

«الجبال ذات أعمار مديدة، لكنها لاتزال مفعمة بالحياة»..
ببساطة تمر هذه العبارة على لسان الخادمة «كليو» لتختصر بها بعضاً من رؤيتها لطريقة عيشها الحياة.. ولعلها لا تكون على دراية كاملة بعمق عباراتها تلك فهي شخصية تمر تفاصيل يومياتها وتنمحي في خضم تفاصيل الآخرين.
المخرج ألفونسو كوارون، يعكس الأمر وتصبح «كليو» من وجهة نظره بطلة تتحرّك مختلف مفاصل فيلمه «روما، Roma» حولها.. جاعلاً منها مركزاً لكل تفاصيل يومياته وهو طفل.. تفاصيل لابدّ لها من المرور عبر بوابة عيني «كليو».
على هذا يبدو «روما» فيلم أشبه بالسيرة، لكنه يبقى أقرب إلى نوع من التذكّر المتربط بنقطة «زمنية مكانية» عالقة في ذاكرة كوارون، عائداً إلى مكان الطفولة ضاحية كولونيا روما،.. فيخيط ذكريات طفولته ويجمعها إلى بعضها.. التي تَشاركَها مع مربيته وخادمة العائلة «ليبو» التي جعل اسمها في الفيلم «كليو»، وصفها لحظة تسلّمه جائزتي الغولدن غلوب 2019، لأفضل فيلم أجنبي وأفضل إخراج، بقوله هي (مؤلّف شريك).
في «روما» تمرّ الأحداث دون الانشغال بذروة حبكة.. ودون تصاعد درامي وصولاً إلى العقدة.. لأن المخرج والذي هو مؤلف العمل، ينحاز لصالح الانغماس في دفق تواتر يوميات الطفولة في نوع من النسيج الزمني الذي تتداخل ضمنه مختلف لحظات عيش العائلة، بكل أنواعها، لحظات خاصة وعامة، عادية ومفاجئة، وبكل ذلك تبقى حكاية «كليو» التي أدّت شخصيتها جاليتسا أباريسيو في أول أدوارها والذي ترشحت عنه لعدد جوائز أهمها جائزة أفضل ممثل رئيسي في أوسكار 2019، تبقى الحكاية الرئيسية لاسيما أن كوارون أهدى الفيلم لها.
يعود الزمن في «روما» إلى عام 1971، الفترة التي شهدت شيئاً من الاضطرابات السياسية وكذلك الأسرية بما فيها الانكسارات التي تتعرض لها عائلة كوارون حين يتخلّى الأب عنهم، ووفق ذاكرته تكون «كليو» سبباً يسند الأطفال وداعماً لهم، هي التي لم تتمكّن من دعم نفسها.. فيتخلى عنها من اعتقدت أنه يحبها، وتفقد طفلتها حين تولد ميتةً.
خلفية الحدث السياسي بقيت حاضرة بهيئة مشهدية اختصرها المخرج وكثّفها بالمشهد الذي تتواجد فيه الجدّة وكليو بصالة المفروشات لانتقاء سرير لمولود كليو، فتحدث مجزرة، ويكون أثناءها الطلاب بحالة تظاهر.. بقيت مجرد خلفية تشير إلى زمنٍ اقتطعه كوارون من ذاكرته ليرويه، ربما لأنه كان زمناً فاصلاً تضمّن تحوّلاً على صعيد عيشهم كأسرة دون حضور الأب فيما يلي من أيام.
وعلى الرغم من أن الفيلم ذو طابع سيري، إلا أن المخرج لم يختر الإغراق في التعاطف مع شخصياته.. وهو ما كان واضحاً من خلال ابتعاده، إلا فيما ندر، عن استخدامه للقطات «كلوز أب».. وحين كان يستخدمها كانت تُظهر وجه «كليو» بطلة العمل/ المحرّك الفعلي لكل حكايته التي أراد تسجيلها من خلالها، بالاقتراب والتقاط شيء من دواخلها التي تحمل قدرة على التعبير عبر صمتها المختزن لزخم مشاعرٍ، وحده وجهها يمتلك شيفرتها.
إنها رغبة كوارون باقتناص واقعية اللحظة عبر تكثيف يختزنه وجه بطلته.. التي كان أداؤها لافتاً لشدة إغراقه بعدم البوح المختبئ وجعاً.
دوناً عن الحضور المميز لـ(جاليتسا/كليو) ثمة موطن قوة آخر في الفيلم يختبئ خلف الحكاية الظاهرة.. عبّر عنه المخرج بأسلوبية عدم المباشرة.. وذلك حين يتسرّب إلى المتلقي نوعٌ من الرغبة في التعبير عن حكايا أناس يشبهون كليو، أبناء عرقها السكان الأصليين للمكسيك، أو ممن يطلق عليهم الهنود المكسيكيين.. وكيف أنهم لم يظهروا في العمل إلا بمواقع الخدم والطبقات الدنيا.. كأنما أراد كوارون الإنصات إلى أعماق هؤلاء عبر مربيته كليو.
حصل الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار في احتفال 2019.
لميس علي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التاريخ: الجمعة 15-3-2019
رقم العدد : 16932